جميع الاقسام
القرآن الكريم وعلومهُ العقائد الإسلامية الفقه الإسلامي وأصولهُ الرجال والحديث سيرة الرسول وآله اللغة العربية الأدب العربي الأسرة والمجتمع الاخلاق و الادعية التاريخ
المزيد من الاقسام   
القرآن الكريم وعلومه
عدد المواضيع في القسم ( 11296) موضوعاً
تأملات قرآنية
علوم القرآن
الإعجاز القرآني
قصص قرآنية
العقائد في القرآن
التفسير الجامع
السيرة النبوية

التاريخ: 15 / 3 / 2016 195
التاريخ: 28 / 7 / 2016 119
التاريخ: 14 / 4 / 2016 194
التاريخ: 9 / 4 / 2016 171
مقالات عقائدية

التاريخ: 2 / 12 / 2015 268
التاريخ: 3 / 12 / 2015 259
التاريخ: 21 / 12 / 2015 368
التاريخ: 18 / 12 / 2015 305
فريقان لا يروق لهما تشكيل الحكومة الإسلامية  
  
397   06:54 مساءاً   التاريخ: 25 / 11 / 2015
المؤلف : الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
الكتاب أو المصدر : نفحات القرآن
الجزء والصفحة : ج10 ، ص51- 61.

طبقاً للأدلة اليقينية أنّ- «الإسلام بدون حكومة» إسلام ممسوخ وفارغ من المحتوى‏ ، وفي الواقع «فهو إسلام بدون الإسلام» ، فمع كل ذلك لا زال هناك فريق يصرّ ويخالف مسألة تشكيل الحكومة الإسلامية ، وعلّة هذه المخالفة- في الواقع- أمران‏ أحدهما له صبغة نفسية ، والآخر له صبغة روائية.

أمّا العامل النفسي فهو إنّهم يعيشون ذكرى‏ مُرة مع الحكومات ، واعتقادهم بعجز أي أحد في الظروف الراهنة من تشكيل الحكومة الإسلامية وبسط العدل الإلهي ، نظراً للضغوط المستمرة الموجهة للحكومة من الداخل من قبل المتطرفين الذين يحاولون انتهاك حدود القوانين الإسلامية وضرب العدالة الاجتماعية ، وتقديم الشعارات الفارغة على‏ تعاليم الكتاب والسنة المعروفة.

ومن جهة اخرى‏ ، فهناك الضغوط الواردة من الخارج ، والمؤامرات التي تحاك من قبل الأجانب التي يقوم بها عملاؤهم من العناصر «السرية» و«العلنية» كل ذلك يحول دون نجاح الحكومة الإسلامية في مواصلة طريقها ، ويتسبب في حرفها حتماً عن مسيرها الحقيقي لتضعها في خدمة أهدافهم ، ولهذا السبب ، يرون أنّ الحكومة الإسلامية الحقيقية غير قابلة للتطبيق عملياً.

وهم يستدلون على‏ ادّعائهم هذا بقضيّة الحكومة الدستورية في ايران حيث إنّ علماء الدين قد توغلوا فيها بكل ما اوتوا من قوّة ، ليعكسوا للعالم تشكيلة الحكومة الإسلامية (أو ما يماثلها ولو من بعض الجهات) ، لكن رغم كل تلك الجهود ، فقد وقف مؤيدو الخط المنحرف من الداخل والأجانب وقفة رجل واحد وفي خاتمة المطاف استبدلوها بحكومة مستبدة ظالمة.

أمّا من الناحية الروائية فهم يتمسكون بالرّوايات القائلة : «كل راية ترفع قبل قيام القائم فهي راية ضلال»! وهذه الروايات تنقسم إلى‏ عدّة أقسام :

الطّائفة الأولى‏ :

وفيها إشارة إلى‏ أنّه ما لم يحن الوقت للثورة في وجه سلاطين الجور والحكومات الظالمة ، فلا تحركوا ساكناً ، مثل :

1- الرواية التي ينقلها «ابو المرهف» عن «الإمام الباقر» عليه السلام حيث يقول : «الغبرة على‏ من أثارها ، هلك المحاصير ، قلت جُعلت فداك : وما المحاصير؟ قال : المستعجلون ...» (1).

2- ونقرأ في حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام عن آبائه الكرام في وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام أنّه قال : «يا عَلي ، إنَّ إزالَة الجِبالِ الرَّواسي أهوَنُ مِن إزالةِ مُلكٍ لَم تَنقَضِ أَيّامُهُ» (2).

3- وجاء في حديث عن‏ «عيسى‏ بن القاسم» أنّ الإمام الصادق عليه السلام قال : «اتّقوا اللَّهَ وانظروا لأنفُسكم ، فإنّ أحقّ من نَظَر لها أنتم ... ثم أضاف عليه السلام قائلًا : إنْ أتاكُم مِنّا آتٍ لِيدعُوكُم إلى‏ الرضا مِنّا فَنَحن نُشهدكُم إنا لا نرضى‏ ، إنّه لا يُطيعُنا اليوم وهو وحده ، فكيف يُطيعُنا إذا ارْتَفَعَتْ الراياتُ والاعلام؟» (3).

4- ونقرأ في نهج البلاغة عن امير المؤمنين عليه السلام : «الْزَموا الأَرضَ وَاصبِرُوا عَلَى‏ البَلَاءِ وَلَا تُحَرِّكُوا بأَيدِيكُم وَسُيُوفِكُم فِى هَوَى‏ أَلْسِنَتِكُم وَلَا تَسْتَعْجِلُوا بِما لَمْ يُعَجِّلْهُ اللَّه لَكُم ، فَإنّهُ مَنْ مَاتَ مِنْكُم عَلَى‏ فِرَاشِهِ وَهُوَ عَلَى‏ مَعرِفَةِ حَقِّ رَبِّهِ وحقِّ رَسُولِهِ وَأَهْلِ بَيتِهِ مَاتَ شَهيداً ، وَوَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى‏ اللَّهِ ، وَاستَوجَبَ ثَوابَ مَا نَوَى‏ مِنْ صَالِحِ عَمَلِهِ ، وَقامَتِ النِّيَّةُ مَقَامَ إِصلَاتِهِ لِسَيفِهِ فَانَّ لِكُلِّ شَى‏ءٍ مُدَّةً وَأَجَلًا» (4).

ولا شك أنّ هذه الطائفة من الأخبار لا دلالة لها لا من قريب ولا من بعيد على‏ النهي عن إقامة الحكومة الإسلامية قبل ظهور المهدي (عج) ، بل الشي‏ء الوحيد الذي تتضمنه هو تحيُّن الفرص ، وعدم البدء بهذه الامور قبل توفر الفرصة المناسبة ، لأنّكم ستدفعون ثمناً غالياً وخسائر فادحة دون أية نتيجة تذكر.

بل ربّما يكون مفهوم هذا الكلام عكس ما يتوقعه هؤلاء ، وهو أنّه متى‏ ما تهيأت الظروف لتشكيل الحكومة الإسلامية ، فعليكم بها.

ذه الرويات- في الواقع- هي نفس ما جاء في الخطبة الخامسة من نهج البلاغة ، حيث‏ يقول عليه السلام : «وَمُجتَني الثَمرَةَ لِغيرِ وَقتِ ايناعِها كالزارع بِغيِرِ أرضِهِ». (إذ لن يحصّل أيٌّ منهما على النّتيجة المتوقعة).

والطائفة الثانية :

هناك بعض ‏الروايات تقول : يجب أن تكون أهداف الثورة هو توجيه‏ الناس لطلب الرضا من آل محمد صلى الله عليه وآله ، أي أنّ الدعوة للأئمّة المعصومين عليهم السلام وأهدافهم ، وعدم جواز الثورة بدونهم.

ومن جملتها ما نقرأه عن الإمام الصادق عليه السلام حيث يقول : «إن أتاكم آت منّا فانظُروا عَلى‏ أيّ شَي‏ء تخرجون؟ ولا تقولوا خرج زيد ، فانَّ زيداً كان عالماً وكان صدوقاً ولم يَدْعُكُم إلى‏ نَفسِهِ وَانّما دَعاكُم الى الرِّضا من آلِ مُحَمَّد ، وَلَو ظَهَر لوفى‏ بما دَعاكُم اليه ، انّما خَرَجَ إلى‏ سُلطانٍ مُجتَمعٍ لِيَنْقُضَهُ ، فالخارجُ مِنّا اليَومَ الى‏ أىّ شَي‏ءٍ يَدْعُوكُم؟ الى الرّضا مِن آل محمّد؟

فنحن نُشْهَدُكُم انّا لَسْنا نَرضى‏ بِهِ وَهُوَ يَعْصينا اليومَ وَلَيسَ مَعَه أَحَدٌ ، وَهو إذا كانت الرّاياتُ وَالالويّةُ أجدَر أن لا يَسْمَعَ مِنّا ...» (5).

ومن البديهي أنّ هذا الحديث وأمثاله لا يدلّ أيضاً على‏ النّهى عن تشكيل الحكومة الإسلامية ، بل يقول : يجب أن يكون الهدف من تشكيل الحكومة هو إدخال السرور على‏ الأئمّة عليهم السلام وكسب رضاهم ، باعتبارهم الخلفاء الحقيقيين للنبي صلى الله عليه وآله ، ولا يجب البدء بهذا العمل عشوائياً بدون موافقتهم!

وعلى‏ هذا ، فمتى‏ ما توفرت الظروف المناسبة في عصر «الغيبة» لتشكيل الحكومة الإسلامية ، وتيقنا بأنّ الإمام (عج) راضٍ عنها ، وكان الهدف من تشكيلها هو احياء الإسلام والقرآن وارضاء آل محمد صلى الله عليه وآله ، فلا مانع منها ، بل يجب السعي إليها أيضاً ، (تأمل جيداً).

والطائفة الثّالثة :

بعض الروايات ، تقول : كلّ ثورة تقوم قبل قيام القائم عليه السلام فإنّ مصيرها الفشل ، كالروايات أدناه :

1- نقرأ في حديث عن أبي بصير عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال : «كُلُّ رَايَةٍ تُرفعُ قَبلَ قيامِ القائمِ فَصاحِبُها طاغوتٌ يُعبدُ مِنْ دونِ اللَّهِ عَزَّوَجَل» (6).

2- ونقرأ في حديث آخر عن «الحسين بن خالد» أنّه قال : قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام :

إنّ عبد اللَّه بن بكير كان يروي حديثاً وأنا أحسب أنّه عرضه عليك ، فقال : ما ذلك الحديث؟

قلت : قال ابن بكير : حدثني عبيد بن زرارة قال : كنت عند أبي عبداللَّه عليه السلام أيّام خروج محمد بن عبداللَّه بن الحسن‏ (7) إذ دخل عليه رجل من أصحابنا فقال له : جعلت فداك إنّ محمد بن عبداللَّه قد خرج فما تقول في الخروج معه؟ فقال : «اسكنوا ما سكنت السماء والأرض» ، فقال عبد اللَّه بن بكير : فإن كان الأمر هكذا ولم يكن خروج ما سكنت السماء والأرض فما من قائم وما من خروج ، فقال أبو الحسن عليه السلام‏ : «صدق أبوعبداللَّه عليه السلام وليس الأمر على‏ ما تأوله ابن بكير ، إنّما عنى‏ أبوعبداللَّه عليه السلام اسكنوا ما سكنت السماء من النداء» (النداء الخاص الذي يأتي من السماء قبل قيام القائم عليه السلام) ، والأرض من الخسف بالجيش (أي السفياني الّذي يحكم قبيل ظهور المهدي عليه السلام) (8).

ويستفاد من هذا الحديث أيضاً أنّه لا ينبغي الثّورة قبل قيام المهدي عليه السلام.

3- وفي حديث آخر عن سُدَيْر من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام ، أنّ الإمام عليه السلام قال له :

«الزَمْ بَيتكَ وَكُنْ حَلَسَاً مِن أحْلاسِهِ ، وَاسْكُنْ ما سَكَنَ الليلُ والنَّهار ، فاذا بَلغك أنْ السُفياني قَد خَرَجَ فارحَل إلينا وَلوَ عَلى‏ رِجلِك» (9).

«السفياني» : أحد الجلادين والحكام الظالمين ويظهر قبل قيام المهدي عليه السلام ، ويرسل الجيوش إلى‏ مناطق مختلفة ، من جملتها الجيش الذي يبعثه إلى‏ المدينة المنوّرة فيصل إلى‏ الصحراء القريبة من المدينة ، فتحدّث زلزلة هناك وتنشق الأرض لتبتلعه وجيشه!.

وهناك روايات كثيرة اخرى‏ بنفس هذا المضمون ، وهو عدم جواز القيام ما لم تظهر علامات ظهور المهدي عليه السلام ، كرواية «عمرو بن حنظلة» عن الإمام الصادق عليه السلام ، ورواية المعلى‏ بن خنيس عنه عليه السلام ، ورواية جابر عن الإمام الباقر عليه السلام‏ (10) ، و....

نقد وتحليل :

حول هذه الروايات نلفت نظركم إلى‏ عدّة نقاط لابدّ منها :

1- توجد لدينا في الشريعة الإسلامية مجموعة اصول بديهية لا يجوز تخطيها ، من جملتها «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» الذي لا سبيل للشك بوجوبه أبداً ومن حيث بداهته وكونه من الاصول المسلَّم بها ، وما أكثر الآيات والروايات التي أكدت عليه.

لنفرض أننا نعيش في محيط قد ضاعت فيه الأحكام الإلهيّة ، وعمّ التجاهر بالمنكرات ، واودع المعروف في زاوية النسيان ، وأحاط الظلم والفساد في كل مكان ، وكان باستطاعتنا تغيير الوضع الفاسد بثورة قوية ضد النظام الحاكم ونشر المعروف بدل كل تلك المنكرات على نطاق واسع ، فهل يدّعي أحد حُرمة هذا العمل في مثل هذه الظروف ، وأنّه ينبغي التفرج على‏ هذه الأوضاع الفاسدة التي تصادر فيها الأحكام الإلهيّة ، ويخرج بواسطتها الشباب المسلم عن الدين؟!

قد يدّعي المتذرعون عدم حدوث مثل هذا الأمر ، لنفترض أنّه يمكن حدوثه ، إذ ليس هذا الفرض محالًا عقلياً ، فهل يقولون ثانية بضرورة الامتناع عن كل تحرك والتسليم أمام الإنتشار السريع للفساد والظلم ومصادرة الأحكام الإسلامية؟!

لا أظن أنّ عالماً ومحققاً يتفوه بمثل هذا الكلام!

من الشواهد على هذا الكلام محمد بن عبداللَّه من أحفاد الإمام المجتبى‏ عليه السلام المعروف ب «النفس الزكية» ، حيث نقرأ عنه : «حينما بايعه عدد من الوجهاء باعتباره المهدي عليه السلام ، وبلغ الإمام الصادق عليه السلام ذلك الخبر بل وحتى‏ طلبوا منه عليه السلام أن يبايعه! قال عليه السلام : دعوا هذا الأمر ، فإنّه لم يحن الوقت بعد (وسيكون ظهور المهدي في المستقبل) ، فلو أنّك (عبداللَّه أبو محمد) تعتبر ابنك هو المهدي الموعود ، وأنّه ليس بالمهدي ، ولم يحن وقت ذلك بعد ، ولو أردت اجباره على‏ الخروج في سبيل اللَّه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فواللَّه لن ندعه لوحده ، وسنبايعه!».

فغضب عبداللَّه وأجاب بجواب غير مناسب‏ (11).

خلاصة القول : هي أنّه لو فرضنا أنّ هذه الروايات تصرح بأنّ كل ثورة قبل قيام المهدي عليه السلام على‏ ضلال ، لكننا لا نتمكن أبداً لإجل خبر واحد أو عدّة أخبار هي في حكم خبر الواحد ، من تجاهل الاصول المسلّمة للإسلام والتي جاءت في القرآن الكريم وأحاديث الأئمّة المعصومين عليهم السلام ، وعلى‏ هذا ، فمتى‏ ما توفرت مقدمات تشكيل الحكومة الإسلامية وأمكن محو الظلم والفساد والاعتداء و... فلا ينبغي التشكيك في ضرورة القيام بذلك. إذ لا يمكن تناسي أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتطبيق الحدود وإقامة القسط والعدل بحجة ورود النهي عن هذا العمل في عدّة أخبار مشكوكة!

2- لدينا في قبال هذه الروايات روايات اخرى‏ عن أهل البيت عليهم السلام تحكي عن أنّ الأئمّة عليهم السلام قد أثنوا على‏ بعض الثورات التي حدثت في زمانهم ، مع أنّ هذه الثورات لم تبلغ غايتها ، فكيف يعقل منع هذه الثورات مع ثنائهم عليهم السلام عليها؟!

ومن جملة ذلك ما جاء في الروايات حول قيام «زيد بن علي» باعتبارها ثورة مقدّسة :

يقول المرحوم الشهيد في القواعد في بحث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : «كان خروجه بإذن الإمام عليه السلام» ويقول الشيخ المفيد في الإرشاد : «كان زيد أفضل أبناء الإمام السجاد عليه السلام بعد الإمام الباقر عليه السلام ، وكان عالماً عابداً تقياً سخياً شجاعاً ، قام بالسيف ليأمر بالمعروف وينهي عن المنكر ويأخذ بثأر شهداء كربلاء» (12).

يذكر المرحوم العلّامة المامقاني روايات كثيرة في فضل ومدح زيد بن علي ، وقسماً من هذه الروايات وردت في ذمه ، حيث يقوم بمناقشتها ولا يراها تستحق الذكر أمام روايات المدح تلك‏ (13).

يقول المرحوم العلّامة المجلسي بعد ذكره لاختلاف الروايات حول «زيد» وثورته :

«الأخبار التي تدل على‏ مكانته الرفيعة ومدحه والثناء عليه وأنّه لم يدع لغير الحق هي‏ الأكثر ، وقد أقر جُل الأصحاب بعظمة مكانة زيد» (14).

فحينما تكون كل ثورة قبل المهدي عليه السلام ثورة ضلال وشرك ، فكيف يمكن الثناء على‏ ثورة زيد بن على عليه السلام ، وتمجيدها؟!

والنموذج الآخر هو الروايات التي جاءت في مدح الحسين بن علي شهيد فخ.

وكان الحسين بن علي هذا من أحفاد الإمام الحسن المجتبى‏ عليه السلام ، ثار في أيّام الخليفة العباسي (موسى‏ الهادي) سنة 169 ه ، توجه من المدينة إلى‏ مكة للحج في ذلك العام ، وحينما وصل مع أنصاره أرض «فخ» قريباً من مكة ، حدثت معركة ضارية بينه وبين أنصاره من جهة ، وبين عمال وجنود الخليفة العباسي من جهة اخرى‏ ، فاستشهد الحسين بن علي مع جماعة من أنصاره في هذه المعركة ، وهو الذي عدّه دعبل الخزاعي في أبياته المعروفة «مدارس آيات» باعتباره شهيداً من شهداء أهل البيت عليه السلام ، ولم يعترض الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام على‏ قوله :

قُبورٌ بكوفان وأُخرى‏ بِطيبةٍ            واخرى بِفَخِّ نالها صَلَواتي‏

ونقرأ في حديث عن الإمام التاسع ، (الإمام الجواد عليه السلام) : بينما كان النبى صلى الله عليه وآله يجتاز أرض فخ إذ نزل وصلى‏ ، وبينما هو في الركعة الثانية أخذته العبرة ، فبكى‏ بكاءً أبكى من معه ، وحينما انتهت الصلاة ، سألوه صلى الله عليه وآله عن سبب بكائه ، فقال صلى الله عليه وآله : لقد جاءني جبرائيل وقال لي :

«أي محمد! إنّ رَجلًا مِن ولِدك يُقتل في هذا المكان ، أجر الشهيد معه ، أجر شهيدين» (15).

بل جاء في حديث عن الإمام الجواد عليه السلام أنّه قال : «لم يكن لنا بعد الطف مصرع أعظم من فخ» (16).

كما جاء في رواية عن الحسين بن علي (شهيد فخ) نفسه أنّه قال : «ما خرجنا حتى‏ شاورنا موسى‏ بن جعفر فأمرنا بالخروج» (17).

يقول المرحوم العلّامة المامقاني في خاتمة ما يتعلق بشرح أحواله : «يتضح ممّا قلنا أنّه كان من الثقات ، لأنّ الإمام موسى‏ بن جعفر عليه السلام قد أمضى‏ ذلك في أحد الأخبار ، وجاء في الحديث : «أجر الشهيد معه ، أجر شهيدين» ، وقد بكى‏ عليه النبي صلى الله عليه وآله في زمانه ، وقال الإمام الصادق عليه السلام : «ستدخل روحه الجنّة قبل جسده».

ولمزيد من الاطلاع حول هذا الموضوع راجع كتاب تنقيح المقال الذي تقدم (ج 1 ص 337 وبحار الأنوار ، ج 48 ، ص 160 فما بعدها).

مضافاً إلى‏ ما تقدم ، فقد جاء في الروايات أنّ أقواماً سيثورون قبل قيام المهدي عليه السلام ، ويمهدون لظهوره عليه السلام ، وقد ورد مدحهم في الأحاديث الشريفة ، فلو كانت ثورتهم باطلة داعية إلى‏ الطاغوت ، لما كان لهذه الروايات مفهومٌ صحيحٌ.

ونكتفي هنا بروايتين عن طريقي الشيعة والسنّة ، مع أنّ الروايات أكثر من هذا بكثير.

نقرأ في حديث عن الإمام أبي الحسن الأول (الإمام الكاظم عليه السلام) أنّه قال : «رَجلٌ مِن قُم يدعو النّاسَ إلى‏ الحقّ يجتمع معه قَومٌ كزبُرِ الحَديدِ لا تَزِلُّهُم الرياحُ العواصِفُ ولا يَملّونَ مِن الحَربِ وَلا يجَبنون وعلى اللَّهِ يتَوكِّلُون والعاقبة للمتقين» (18).

وقد تمّ التصريح في قسم من الروايات التي تشير إلى‏ مثل هذه الثورات بأنّها ممهدة لظهور المهدي عليه السلام. وعلى‏ أيّة حال ، فهي حاكية عن أنّ ثورات مشروعة ستحدث قبل قيام المهدي عليه السلام ، ثورات دامية داعية إلى‏ الحق مع ضمان النصر.

ونقرأ في حديث في سنن ابن ماجة وهو من المصادر السنية المعروفة :

حضر جمع من شباب بني هاشم بين يدي الرسول صلى الله عليه وآله ، وحينما وقع نظره المبارك عليهم أخذته العبرة وتغير لونه ، فسئل عن ذلك ، فقال صلى الله عليه وآله :

«إنّا أهلُ بَيتٍ اختارَ اللَّهُ لَنا الآخرةَ عَلى الدّنيا ، إنّ أَهل بيتي سَيَلقونَ بَعدِي بلاءً وتَشْريداً وَتَطْريداً حتى يأتي قَومٌ مِن قِبلِ المَشرقِ معهم رايات سود فَيسألون الخير فلا يعطونه فيقاتلون وينصرون فيُعطون ما سألوا فلا يَقبلونَهُ حتّى يَدفَعوها إلى‏ رَجُل مِن أهلِ بِيتي فَيملأها قِسطاً كما ملأوها جَوْراً ، فمن أدركَ ذلكَ مِنْكُم فليأتهم وَلَو حَبواً على الثَلْج» (19).

يستفاد من ذيل هذه الرواية بكل وضوح أنّ هذه الثورة ستحدث قبيل ثورة المهدي عليه السلام ، وأنّها الممهدة له عليه السلام فضلًا عن مشروعيتها.

ويظهر بجلاء من كل ما قيل في هذا الفصل أنّ ثورات ستحدث قبل ظهور المهدي (عج) فيها صبغة إلهيّة ، بعضها يؤتي أُكله وبعضها ينتهي بالفشل ، وليس أن كل راية ترفع قبل المهدي (عج) راية ضلال وطاغوت حتّى لو كانت بإذن أهل البيت عليه السلام وعلى‏ خطاهم ، (تأمل جيداً).

3- والحاصل أنّ الروايات التي تقول : «كل راية ترفع قبل قيام المهدي عليه السلام راية ضلال وصاحبها طاغوت ...» ، يجب تفسيرها بشكل بحيث تتلاءم مع المسلّمات الفقهية وأحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر «محاربة الفساد» ، وكذلك مع الثورات العديدة التي حدثت في زمان المعصومين عليهم السلام وأمضوها بدورهم عليهم السلام. ولدينا لتفسير هذه الروايات عدّة سبل :

1- المراد بها ، تلك الثورات المنحرفة ، الثورات التي تقع بدون إذن واجازة المعصومين عليهم السلام ، أو الحكّام الشرعيين أو نواب الإمام المهدي (عج) في عصر الغيبة.

2- المراد منها ، الثورات التي تحدث بقصد الدعوة لأنفسهم لا لأهداف آل محمد صلى الله عليه وآله ، حيث تمّت الإشارة إلى‏ ذلك في الروايات أكثر من مرّة.

3- المراد بها ، الثورات التي تظهر في فترات معينة بدون استعداد لها ، وأنّ الأئمّة عليه السلام إنّما تلفظوا بتلك الجمل ونهوا عن ذلك للحد من الثورات التي لم تنضج بعد.

ونعود هنا ثانية إلى‏ القرآن الكريم لنتأمل في النداء العام للقرآن بدعوة الامّة الإسلامية للثورة في وجه الظالمين والدفاع عن المظلومين وبسط القسط والعدل.

نقرأ في قوله تعالى : {وَمَا لَكُم لَا تُقَاتِلونَ فِى سَبيلِ اللَّهِ وَالمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِجَالِ وَالنّسَاءِ وَالوِلدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجنَا مِنْ هَذِهِ القَريَةِ الظَّالِمِ أهلُهَا وَاجْعَلْ لَّنَا مِنْ لَّدُنكَ وَلِيّاً واجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً} (النساء/ 75).

لا يخفى‏ أنّ هذه الآية ونظائرها التي تتحدث حول إقامة القسط والعدل أو الدفاع عن المظلومين ومقارعة الظالمين لا تنحصر بزمان ومكان معينين ، وأنّها من الاصول المهمّة للإسلام ، وأنّه كلما توفرت الفرص والمقدّمات لهذا الهدف المقدس فلابدّ من الإقدام على ذلك فوراً.

______________________________
(1) وسائل الشيعة ، ج 11 ، ص 36 (ذكر صاحب الوسائل هذه الروايات في الوسائل ج 11 ، كتاب الجهاد ، الباب 13 من أبواب جهاد العدو).
(2) وسائل الشيعة ، ج 11 ص 38.
(3) المصدر السابق.
(4) نهج البلاغة ، الخطبة 190 (القسم الأخير منها).
(5) وسائل الشيعة ، ج 11 ، ص 36 ، ح 1.
(6) وسائل الشيعة ، ج 11 ، ص 37 ، ح 6.
(7) محمد بن عبدالله بن الحسن ، حفيد الإمام الحسن المجتبى عليه السلام ثار أيام المنصور العباسي ، وبايعه جمع غفير ، استولى على مكة والمدينة واليمن ، لكن المنصور أرسل إليه جيشاً جراراً تغلب عليه ونال بدوره الشهادة ، وهو معروف بالنفس الزكية ، كانت شهادته في رمضان سنة 145 للهجرة (تتمة المنتهى ، ص 135 فما بعدها).
(8) وسائل الشيعة ، ص 36 ، ح 3.
(9) المصدر السابق ، ص 36 ، ح 3.
(10) وسائل الشيعة ، ج 11 ، ص 35 و41.
(11) إرشاد المفيد ، ج 2 ، ص 185 (الباب 13 في حالات الإمام الصادق عليه السلام).
(12) تنقيح المقال (رجال المامقاني) ، حالات زيد.
(13) المصدر السابق.
(14) بحار الأنوار ، ج 4 ص 205.
(15) تنقيح المقال ، ج 1 ص 337 (حالات الحسين بن علي شهيد فخ)؛ بحار الأنوار ، ج 48 ، ص 17.
(16) المصدر السابق.
(17) المصدر السابق.
(18) سفينة البحار ، لفظة (قم).
(19) سنن ابن ماجة ، ج 2 ص 1366 ، ح 482.

شبهات وردود

التاريخ: 24 / أيلول / 2014 م 532
التاريخ: 8 / تشرين الثاني / 2014 م 538
التاريخ: 24 / أيلول / 2014 م 494
التاريخ: 24 / أيلول / 2014 م 479
هل تعلم

التاريخ: 23 / تشرين الاول / 2014 م 432
التاريخ: 3 / 4 / 2016 327
التاريخ: 3 / حزيران / 2015 م 371
التاريخ: 9 / آيار / 2015 م 454

المرجع الإلكتروني للمعلوماتية هو موقع معلوماتي موسوعي شامل يحتوي على العديد من النوافذ الفكرية العلمية والإنسانية ، وخيارك الأفضل للبحث عن المعلومة الدقيقة المقتبسة من أمهات الكتب بوثاقةٍ وموضوعية .