English
       
جميع الاقسام
القرآن وعلومهُ العقائد الإسلامية الفقه وأصولهُ الرجال والحديث سيرة الرسول وآله علوم اللغة العربية الأدب العربي الأسرة والمجتمع الاخلاق و الادعية التاريخ
المزيد   
القرآن الكريم وعلومه
عدد المواضيع في القسم ( 11642) موضوعاً
تأملات قرآنية
علوم القرآن
الإعجاز القرآني
قصص قرآنية
العقائد في القرآن
التفسير الجامع
السيرة النبوية

التاريخ: 7 / 8 / 2016 1308
التاريخ: 31 / 3 / 2016 1016
التاريخ: 3 / آب / 2015 م 1036
التاريخ: 19 / آيار / 2015 م 1326
مقالات عقائدية

التاريخ: 27 / 11 / 2015 1573
التاريخ: 3 / 12 / 2015 1430
التاريخ: 26 / أيلول / 2014 م 1561
التاريخ: 8 / تشرين الثاني / 2014 م 1428
المثل العليا  
  
2488   02:56 صباحاً   التاريخ: 3 / حزيران / 2015 م
المؤلف : السيد محمد باقر الصدر
الكتاب أو المصدر : المدرسة القرآنية
الجزء والصفحة : ص157-178


أقرأ أيضاً
التاريخ: 23 / تشرين الاول / 2014 م 1705
التاريخ: 10 / آيار / 2015 م 1721
التاريخ: 18 / 5 / 2016 1523
التاريخ: 25 / تشرين الاول / 2014 م 1767

 اعوذ باللّه من الشيطان الرجيم بسم اللّه الرحمن الرحيم وافضل الصلوات على سيد الخلق محمد وعلى الهداة الميامين من آله الطاهرين هذه المثل العليا المنخفضة المنتزعة عن الواقع والتي تحدثنا عنها في الأمس في كثير من الاحيان تتخذ طابع الدين، ويسبغ عليها هذا الطابع من اجل اعطائها قدسية تحافظ على بقائها واستمرارها على الساحة، كما رأينا في الآيات الكريمة المتقدمة، كيف ان المجتمعات التي رفضت دعوة الانبياء كثيرا ما كانت تصر على التمسك بعبادة الآباء وبدين الآباء بالمثل الاعلى المعبود للآباء، بل ان الحقيقة أن كل مثل اعلى من هذه المثل العليا المنخفضة لا ينفك عن الثوب الديني سواء أبرز بشكل صريح او لم يبرز لان المثل الاعلى دائما يحتل مركز الإله بحسب التعبير القرآني والاسلامي، ودائما تستبطن علاقة الامة بمثلها الاعلى نوعا من العبادة، من العبادة لهذا المثل‏ الاعلى وليس الدين بشكله العام الا علاقة عابد بمعبود.

اذن المثل الاعلى لا ينفك عن الثوب الديني سواء كان ثوبا دينيا صريحا، او ثوبا دينيا مستترا مبرقعا تحت شعارات اخرى فهو في جوهره دين وفي جوهره عبادة وانسياق. الا ان هذه الاديان التي تفرزها هذه المثل العليا المنخفضة اديان محدودة تبعا لمحدودية نفس هذه المثل، لمّا كانت هذه المثل مثلا منخفضة ومحدودة قد حولت بصورة مصطنعة الى مطلقات والا هي في الحقيقة ليست الا تصورات جزئية عبر الطريق الطويل للانسان، الا أنها حولت الى مطلقات بصورة مصطنعة.

اذن هذه المحدودية في المثل تعكس الاديان التي تفرزها، فالأديان التي تفرزها هذه المثل او بالتعبير الأحرى الاديان التي يفرزها الانسان من خلال صنع هذه المثل، ومن خلال عملقة هذه المثل وتطويرها من تصورات الى مطلقات، هذه الاديان تكون اديانا محدودة ضئيلة، أديان التجزئة، هذه الأديان هي أديان التجزئة في مقابل دين التوحيد الذي سوف نتكلم عنه حينما نتحدث عن مثله الأعلى القادر على استيعاب البشرية بابعادها، هذه الأديان‏ أديان التجزئة هذه الآلهة، الآلهة التي يفرزها الانسان بين حين وحين هي التي يعبر عنها القرآن الكريم بقوله {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ} [النجم : 23] هذا الإله الذي يفرزه الانسان، هذا الدين الذي يصنعه الانسان، وهذا المثل الاعلى الذي هو نتاج بشري، هذا لا يمكن ان يكون هو الدين القيم، لا يمكن ان يكون هو المصعّد الحقيقي للمسيرة البشرية، لان المسيرة البشرية لا يمكن ان تخلق إلهها بيدها.

المجتمعات والامم التي تعيش هذا المثل الاعلى المنخفض المستمد من واقع الحياة، قلنا بأنها تعيش حالة تكرارية يعني ان حركة التاريخ تصبح حركة تماثلية وتكرارية وهذه الأمة تأخذ بيدها ماضيها الى الحاضر، وحاضرها الى المستقبل ليس لها مستقبل في الحقيقة وانما مستقبلها هو ماضيها.

ومن هنا اذا تقدمنا خطوة في تحليل ومراقبة ومشاهدة اوضاع هذه الامة التي تتمسك بمثل من هذا القبيل، اذا تقدمنا خطوة الى الامام نجد ان هذه الامة بالتدريج سوف تفقد ولاءها لهذا المثل ايضا، لن تظل متمسكة بهذا المثل‏ لان هذا المثل بعد ان يفقد فاعليته وقدرته على العطاء، بعد ان يصبح نسخة من الواقع، بعد ان يصبح أمرا مفروضا ومحسوسا وملموسا، بعد ان يصبح غير قادر على تطوير البشرية وتصعيدها في مسارها الطويل، تفقد هذه البشرية، هذه الجماعة تفقد بالتدريج ولاءها لهذا المثل ومعنى انها تفقد ولاءها لهذا المثل يعني ان القاعدة الجماهيرية الواسعة في هذه الامة سوف تتمزق وحدتها لأن وحدة هذه القاعدة انما هي بالمثل الواحد فاذا ضاع المثل ضاعت هذه القاعدة. هذه الامة بعد ان تفقد ولاءها لهذا المثل تصاب بالتشتت، بالتمزق، بالتبعثر، تكون كما وصف القرآن الكريم‏ {بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} [الحشر : 14]  بأسهم بينهم شديد باعتبار أن التناقضات تبدأ في داخل هذه الأمة هذه الامة التي لا يجمعها مثل اعلى لا تجمعها طريقة مثلى، لا يجمعها سبيل واحد قلوب متفرقة أهواء متشتتة، ارواح متبعثرة، عقول مجمدة في حالة من هذا القبيل لا تبقى امة وانما يبقى شبح امة فقط. وفي ظل هذا الشبح سوف ينصرف كل فرد في هذه الامة ينصرف الى همومه الصغيرة، الى قضاياه‏ المحدودة لانه لا يوجد هناك مثل اعلى تلتف حوله الطاقات، تلتف حوله القابليات والامكانات تحشد من اجله التضحيات لا يوجد هذا المثل الاعلى، حينما يسقط هذا المثل الاعلى تسقط الراية التي توحد الامة، يبقى كل انسان مشدود الى حاجاته المحدودة، الى مصالحه الشخصية، الى تفكيره في اموره الخاصة، كيف يصبح ؟ كيف يسمي ؟ كيف يأكل ؟ كيف يشرب ؟ كيف يوفر الراحة والاستقرار له ولاولاده ولعائلته؟ أي راحة؟ أي استقرار؟ الراحة بالمعنى الرخيص من الراحة، والاستقرار بالمعنى القصير من الاستقرار يبقى كل انسان سجين حاجاته الخاصة، سجين رغباته الخاصة، يبقى يدور، يبقى يلتف حول هذه الرغبات وحول هذه الحاجات لا يرى غيرها اذ لا يوجد المثل، اذ ضاع المثل وتفتت وسقط في حالة من حالات هذه الامة، قلنا بأن الامة تتحول الى شبح لا تبقى امة حقيقية، وانما هناك شبح امة. وقد علمنا التاريخ انه في حالة من هذا القبيل توجد ثلاث اجراءات، ثلاث بدائل يمكن ان تنطبق على حالة هذه الامة الشبح‏ .

الإجراء التاريخي الأول‏ :

هو ان تتداعى هذه الامة أمام‏ غزو عسكري من الخارج لان هذه الامة التي افرغت من محتواها، التي تخلّت عن وجودها كأمة، وبقيت كأفراد كل انسان يفكر في طعامه، يفكر في لباسه، يفكر في دار سكناه ولا يفكر في الأمة لن يبقى هناك من يفكر في الأمة، وانما كل انسان يفكر في حاجاته حين يفكر. اذن في وضع من هذا القبيل يمكن ان تتداعى هذه الأمة امام غزو من الخارج، وهذا ما وقع بالفعل بعد ان فقد المسلمون مثلهم الاعلى وفقدوا ولاءهم لهذا المثل الاعلى ووقعوا فريسة غزو التتار حينما سقطت حضارة المسلمين بايدي التتار هذا هو الاجراء التاريخي الاول.

والإجراء التاريخي الثاني‏

: هو الذوبان والانصهار في مثل اعلى اجنبي في مثل مستورد من الخارج هذه الامة بعد ان فقدت مثلها العليا النابعة منها فقدت فاعليتها وأصالتها حينئذ تفتش عن مثل اعلى من الخارج لكي تعطيه ولاءها، لكي تمنحه قيادتها. هذا هو الإجراء التاريخي الثاني.

والإجراء التاريخي الثالث‏

: ان ينشأ في اعماق هذه الامة بدور اعادة المثل الاعلى من جديد بمستوى العصر الذي تعيشه تلك الامة ، هذان الاجراءان، الإجراء الثاني‏ والإجراء الثالث وقف الأمة امامهما على مفترق طريقين حينما دخلت عصر الاستعمار، حينما دخلت الأمة عصر الاستعمار وقفت على مفترق طريقين: كان هناك طريق يدعوها الى الانصهار في مثل اعلى من الخارج هذا الطريق الذي طبقه جملة من حكام المسلمين في بلاد المسلمين «رضاخان» في ايران و«أتاتورك» في تركيا، حاول هؤلاء ان يجسدوا المثل الاعلى للانسان الاوروبي المنتصر، ويطبقوا هذا المثل الاعلى ويكسبوا ولاء المسلمين انفسهم لهذا المثل الاعلى، بعد ان ضاع المثل الاعلى في داخل المسلمين. بينما رواد الفكر الاسلامي في بدايات عصر الاستعمار وفي اواخر الفترة التي سبقت عصر الاستعمار، رواد الفكر الاسلامي ورواد النهضة الاسلامية أطلقوا جهودهم في سبيل الاجراء الثالث في سبيل إعادة الحياة الى الاسلام من جديد، في سبيل انتشار هذا المثل الاعلى وإعادة الحياة اليه وتقديمه بلغة العصر وبمستوى العصر وبمستوى حاجات المسلمين. الامة تتحول الى شبح فتواجه أحد هذه الاجراءات الثلاثة.

الآن تكلمنا عن امة هذه الآلهة المنخفضة، حينما نتقدم خطوة، اذا تقدمنا خطوة نجد المثل التكراري يتمزق‏ ان الامة تفقد ولاءها، ان الامة تتحول الى شبح تواجه أحد هذه الاجراءات الثلاثة، الآن نرجع الى الوراء خطوة. اذا رجعنا الى الوراء خطوة، سوف نواجه النوع الثاني من الآلهة من المثل العليا، أ ليس قلنا في البداية ان المثل العليا عكس ثلاثة انواع. تكلمنا الآن عن النوع الاول .

إذا رجعنا خطوة الى الوراء- هذا ما سوف اشرح معناه بعد لحظات- سوف نواجه النوع الثاني من الآلهة من المثل العليا. هذا النوع الثاني يعبر عن كل مثل أعلى للامة يكون مشتقا من طموح الامة، من تطلعها الى المستقبل. ليس هذا المثل تعبيرا تكراريا عن الواقع بل هو تطلع الى المستقبل، تحفز نحو الجديد نحو الابداع والتطوير، ولكنّ هذا المثل منتزع عن خطوة واحدة من المستقبل منتزع عن جزء من هذا الطريق الطويل المستقبلي، أي ان هذا الطموح الذي منه انتزعت الامة مثلها، كان طموحا محدودا كان طموحا مقيدا لم يستطيع ان يتجاوز المسافات الطويلة، وانما استطاع ان يكوّن رؤية مستقبلية محدودة، وهذه الرؤية المستقبلية المحدودة انتزع منها مثله الاعلى.

وفي هذا المثل الاعلى جانب موضوعي صحيح‏ ولكنه، يحتوي على امكانيات خطر كبير اما الجانب لموضوعي الصحيح فهو ان الانسان عبر مسيرته الطويلة لا يمكنه ان يستوعب برؤيته الطريق الطويل الطويل كله، لا يمكنه ان يستوعب المطلق لان الذهن البشري محدود والذهن البشري المحدود لا يمكن ان يستوعب المطلق وانما هو دائما يستوعب نفحة من المطلق، شيئا من المطلق يأخذ بيده قبضة من هذا المطلق تنير له الطريق ، تنير له الدرب. فكون دائرة الاستيعاب البشري محدودة ، هذا أمر طبيعي أمر صحيح وموضوعي .

ولكن الخطير في هذه المسألة ان هذه القبضة التي يقبضها الانسان من المطلق ، هذه القبضة ، هذه الكومة المحدودة ، هذه الومضة من النور التي يقبضها من هذا المطلق، يحولها الى نور السماوات والارض ، يحولها الى مثل اعلى ، يحولها الى مطلق .

هنا يكمن الخطر لانه حينما يصنع مثله الاعلى وينتزع هذا المثل الأعلى من تصور ذهني محدود للمستقبل، لكن يحوّل هذا التصور الذهني المحدود الى مطلق، حينئذ هذا المثل الاعلى سوف يخدمه في المرحلة الحاضرة سوف يهيّئ له امكانيات النمو بقدر طاقات هذا المثل، بقدر ما يمثل للمستقبل، بقدر امكاناته المستقبلية سوف يحرك هذا الانسان وينشط هذا الانسان لكن سرعان ما سوف يصل الى حدوده القصوى إلى حدود هذا المثل القصوى، وحينئذ سوف يتحول هذا المثل نفسه الى قيد للمسيرة، الى عائق عن التطور، الى مجمّد لحركة الانسان لانه اصبح مثلا، أصبح الها، أصبح دينا؛ أصبح واقعا قائما، وحينئذ سوف يكون بنفسه عقبة أمام استمرار زحف الانسان نحو كماله الحقيقي.

وهذا المثل الذي يعمم خطأ يحول من محدود الى مطلق خطأ التعميم فيه تارة يكون تعميما افقيا خاطئا وأخرى تعميما زمنيا خاطئا، هناك تعميمان خاطئان لهذا المثل، هناك تعميم افقي خاطئ وهناك تعميم زمني عمودي خاطئ:

التعميم الافقي الخاطئ: ان ينتزع الانسان من تصوره المستقبلي مثلا ويعتبر ان هذا المثل يضم كل قيم الانسان التي يجاهد من اجلها، ويناضل في سبيلها. بينما هذا المثل على الرغم من صحته الا انه لا يمثل الا جزءا من هذه القيم. فهذا التعميم تعميم افقي خاطئ هذا المثل‏ يكون معبرا عن جزء من افق الحركة بينما جرد منه ما يملأ كل افق الحركة.

الانسان الاوروبي الحديث في بدايات عصر النهضة وضع مثلا اعلى وهو الحرية جعل الحرية مثلا اعلى لانه رأى ان الانسان الغربي كان محطّما ومقيّدا، كانت على يديه الاغلال في كل ساحات الحياة، كان مقيدا في عقائده العلمية والدينية بحكم الكنيسة وتعنت الكنيسة، كان مقيدا في قوته ورزقه بأنظمة الاقطاع، كان مقيدا اينما يسير، اراد الانسان الاوروبي الرائد لعصر النهضة ان يحرر هذا الانسان من هذه القيود، من قيود الكنيسة، من قيود الاقطاع اراد ان يجعل من الانسان كائنا مختارا اذا اراد ان يفعل يفعل، يفكر بعقله لا بعقل غيره ويتصور ويتأمل بذاته ولا يستمد هذا التصور كصيغ ناجزة من الآخرين.

وهذا شي‏ء صحيح الا ان الشي‏ء الخاطئ في ذلك هو التعميم الافقي فان هذه الحرية بمعنى كسر القيود عن هذا الانسان، هذا قيمة من القيم، هذا اطار للقيم، ولكن هذا وحده لا يصنع الانسان ليس هذا هو المثل الأعلى فان هذا وحده لا يصنع الانسان، انت لا تستطيع ان تصنع الانسان بان تكسر عنه القيود وتقول له افعل ما شئت، لا يوجد انسان ولا كائن، لا يوجد اقطاعي ولا قسيس ولا سلطان ولا طاغوت يضطرك الى موقف او يفرض عليك موقفا، هذا وحده لا يكفي فان كسر القيود انما يشكل الاطار للتنمية البشرية الصالحة، يحتاج هذا الى مضمون الى محتوى مجرد انه يستطيع ان يتصرف، يستطيع ان يمشي في الاسواق هذا لا يكفي، اما كيف يمشي؟ ما هو الهدف الذي من اجله يمشي في الاسواق؟ المحتوى والمضمون هو الذي فات الانسان الاوروبي، الانسان الاوروبي جعل الحرية هدفا وهذا صحيح ولكنه صيّر من هذا الهدف مثلا اعلى بينما هذا الهدف ليس الا اطارا في الحقيقة وهذا الاطار بحاجة الى محتوى والى مضمون واذا جرد هذا الاطار عن محتواه سوف يؤدي الى الويل والدمار، الى الويل الذي تواجهه الحضارة الغربية اليوم التي صنعت للبشرية كل وسائل الدمار لان الاطار بقي بلا محتوى بقي بلا مضمون. حينئذ هذا هو مثال للتعميم الافقي، التعميم الافقي للمثل الاعلى.

واما التعميم الزمني ايضا، كذلك على مر التاريخ توجد خطوات ناجحة تاريخيا ولكنها لا يجوز ان تحول من محدودها كخطوة الى مطلق، الى مثل اعلى يجب ان تكون‏ ممارسة تلك الخطوة ضمن المثل الاعلى لا ان تحول هذه الخطوة الى مثل اعلى حينما اجتمع في التاريخ مجموعة من الاسر فشكلوا القبيلة، حينما اجتمعت مجموعة من القبائل فشكلت عشيرة، حينما اجتمعت مجموعة من العشائر فشكلت أمة، هذه الخطوات صحيحة في تقدم البشرية وتوحيد البشرية ولكن كل خطوة من هذه لا يجب ان تتحول الى مثل اعلى لا يجوز ان تتحول الى مطلق، لا يجوز ان تكون العشيرة هي المطلق الذي تحارب من أجله هذا الانسان، وانما المطلق الذي يحارب من اجله الانسان يبقى هو ذاك المطلق الحقيقي، يبقى هو اللّه سبحانه وتعالى، الخطوة تبقى كأسلوب ولكن المطلق يبقى هو اللّه سبحانه وتعالى هذا التعميم الزمني ايضا هو شكل من التعميم الخاطئ حينما يحول هذا المثل المنتزع من خطوة محدودة عبر الزمن يحول الى مثل اعلى.

وحال هذا الانسان الذي يحول هذه الرؤية المحدودة من عبر الزمن يحولها الى مطلق حاله حال الانسان الذي يتطلع الى الافق فلا تساعده عينه الاعلى النظر الى مسافة محدودة فيخيل له بأن الدنيا تنتهي عند الافق الذي يراه، ان السماء تنطبق على الارض على مسافة قريبة منه وقد يخيل‏ له وجود الماء، وجود السراب على مقربة منه. الا ان هذا في الحقيقة ناشئ من عجز عينه عن ان يتابع المسافة الارضية الطويلة الامد.

كذلك هنا هذا الانسان الذي يقف على طريق التاريخ الطويل، على طريق المسيرة البشرية، له افق بحكم قصوره الذهني، بحكم محدودية الذهن البشري، له افق كذلك الافق الجغرافي ولكن هذا الافق يجب ان يتعامل معه كأفق، لا كمطلق كما اننا نحن على الصعيد الجغرافي لا نتعامل مع هذا الافق الذي نراه على بعد عشرين مترا او مائتي متر انه نهاية الارض، وانما نتعامل معه بأنه أفق، كذلك ايضا هنا يجب ان يتعامل هذا الانسان معه كأفق لا يحول هذا الافق التاريخي الى مثل اعلى والا كان من قبيل من يسير نحو سراب.

انظروا الى التمثيل الرائع في قوله سبحانه وتعالى :

{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ } [النور: 39]

يعبر القرآن عن كل هذه المثل المصطنعة من دون اللّه سبحانه وتعالى بانها كبيت العنكبوت يقول سبحانه وتعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت : 41]

اذا قارنا بين هذين النوعين من المثل العليا: المثل العليا من الواقع والمثل العليا المشتقة من طموح محدود، يمكننا ان نلاحظ ان المثل العليا المشتقة من الواقع كثيرا ما تكون قد مرت بمرحلة هذه المثل العليا التي تعبر عن طموح محدود، يعني كثيرا ما تكون تلك المثل من النوع الاول امتدادا للمثل من النوع الثاني، بأن يبدأ المثل ويبدأ هذا المثل الاعلى مشتقا من طموح، لكن حينما يتحقق هذا الطموح المحدود، حينما تصل البشرية الى النقطة التي أثارت هذا المثل، يتحول هذا المثل الى واقع محدود بحسب الخارج، حينئذ يصبح مثلا تكراريا.

من هنا قلنا في ما سبق أننا لو رجعنا خطوة الى الوراء بالنسبة الى آلهة النوع الاول ، مثل النوع الاول ، لو رجعنا خطوة الى الوراء لوجدنا آلهة النوع الثاني فالمسألة في كثير من الاحيان تبدأ هكذا، تبدأ بمثل اعلى له طموح مشتق من طموح مستقبلي ثم يتحول هذا المثل الاعلى الى مثل تكراري، ثم يتمزق هذا المثل التكراري كما قلنا وتتحول الامة الى شبح أمة.

في هذه الفترة الزمنية تمر الامة بمراحل في الحقيقة، يمكننا تلخيصها في أربعة مراحل :

المرحلة الاولى هي مرحلة فاعلية هذا المثل بحكم انه قد بدأ مشتقا من طموح مستقبلي ومن نظرة مستقبلية فهذا المثل يكون له في المرحلة الاولى فاعلية وعطاء وتجديد بقدر ما يكون له من ارتباط بالمستقبل.

ولكن طبعا هذه الفاعلية وهذا العطاء وهذا التجديد هو عطاء يسميه القرآن بالعاجل، مكاسب عاجلة، وليست مكاسب على الخط الطويل. هذه المكاسب مكاسب عاجلة لان عمر هذا المثل قصير، لان عطاء هذا المثل محدود، لان هذا المثل سوف يتحول في لحظة من اللحظات الى قوة إبادة لكل ما اعطاه من مكاسب ولهذا يسمى هذا بالعاجل.

انظروا الى قوله تعالى‏ {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا } [الإسراء : 18 - 20] اللّه سبحانه وتعالى خير محض ، عطاء محض، جود كله، فبقدر ما تتبنى الامة مثلا قابلا للتحريك ، اللّه سبحانه وتعالى ايضا يعطي، لكنه يعطي بقدر قابلية هذا المثل يعطي شيئا عاجلا لا اكثر.

في حالة من هذا القبيل تكون السلطة التي تمثل هذا المثل، تكون هذه السلطة ذات مثل اعلى ، ذات مثل يعطي ويبدع وتكون قيادة موجهة للامة في حدود هذا المثل وتكون للامة دور المشاركة في صنع هذا المثل وفي تحقيق هذا المثل.

هذه المرحلة سوف تؤدي الى مكاسب ، ولكنها في النظر القرآني العميق الطويل الامد مكاسب عاجلة تعقبها جهنم، جهنم في الدنيا وجهنم في الآخرة. هذه المرحلة الاولى مرحلة الابداع والتجديد.

المرحلة الثانية حينما يتجمد هذا المثل الاعلى حينما يستنفذ طاقته وقدرته على العطاء حينئذ يتحول هذا المثل الى تماثل ولا يبقى مثلا وانما سوف يتحول الى تمثال، والقادة الذين كانوا يعطون ويوجهون على أساسه يتحولون الى سادة وكبراء لا الى قادة، وجمهور الامة يتحول الى مطيعين ومنقادين لا الى مشاركين في الابداع والتطوير وهذه المرحلة هي المرحلة التى عبر عنها القرآن الكريم بقوله : { وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا} [الأحزاب : 67].

ثم تأتي المرحلة الثالثة ؛ مرحلة الامتداد التاريخي لهؤلاء، هذه السلطة تتحول الى طبقة بعد ذلك تتوارث مقاعدها عائليا او طبقيا وراثيا بشكل من اشكال الوراثة، وحينئذ تصبح هذه الطبقة هي الطبقة المترفة المنعمة الخالية من الاغراض الكبيرة، المشغولة بهمومها الصغيرة وهذا ما عبر عنه القرآن الكريم بقوله‏ {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف : 23] هؤلاء نتاج آباء، هؤلاء امتداد تاريخي لآباء لهم تاريخ وهم امتداد تاريخي ، وهذا الامتداد التاريخي تحول من مستوى مثل وعطاء الى مستوى طبقة مترفة تتوارث هذا المقعد بشكل من اشكال التوارث هذه هي المرحلة الثالثة .

ثم حينما تتفتت الامة، حينما تتمزق الامة ، حينما تفقد ولاءها لذلك المثل التكراري على ضوء ما قلناه تدخل في مرحلة رابعة وهي اخطر مراحلها ففي هذه المرحلة يسيطر عليها مجرموها، يسيطر عليها اناس لا يرعون عهدا ولا ذمة وهذا ما عبر عنه القرآن الكريم في قوله سبحانه وتعالى : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ} [الأنعام : 123]. حينئذ يسيطر مجموعة من هؤلاء المجرمين.

يسيطر هتلر والنازية مثلا في جزء من أوروبا لكي يحطم كل ما في أوروبا من خير وكل ما في اوروبا من ابداع، لكي يقضي على كل تبعات ذلك المثل الاعلى الذي رفعه الانسان الاوروبي الحديث والذي تحول بالتدريج الى مثل تكراري ثم تفسخ هذا المثل لكن بقيت مكاسبه في‏ المجتمع الاوروبي، يأتي شخص كهتلر لكي يمزق كل تلك المكاسب ويقضي على كل تلك المكاسب.

الآن نصل الى النوع الثالث من المثل العليا . النوع الثالث من المثل العليا هو المثل الأعلى الحقيقي وهو اللّه سبحانه وتعالى. في هذا المثل التناقض الذي واجهناه سوف يحل بأروع صورة كنا نجد تناقضا وحاصل هذا التناقص هو ان الوجود الذهني للانسان محدود ، والمثل يجب ان يكون غير محدود فكيف يمكن توفير المحدود وغير المحدود وكيف يمكن التنسيق بين المحدود وغير المحدود، هذا التنسيق بين المحدود وغير المحدود سوف نجده في المثل الاعلى الذي هو اللّه سبحانه وتعالى ..

لماذا ؟ لان هذا المثل الاعلى ليس من نتاج الانسان، ليس افرازا ذهنيا للانسان، بل هو مثل أعلى عيني له واقع عيني ، هو موجود مطلق في الخارج، له قدرته المطلقة وله علمه المطلق وله عدله المطلق . هذا الموجود العيني بواقع العين يكون مثلا اعلى لانه مطلق لكن الانسان حينما يريد ان يستلهم من هذا النور، حينما يريد ان يمسك بحزمة من هذا النور، طبعا هو لا يمسك الا بالمقيد ، الا بقدر محدود من هذا النور الا انه يميز بين ما يمسك به وبين مثله‏ الاعلى ، المثل الاعلى خارج حدود ذهنه ، لكنه يمسك بحزمة من النور، هذه الحزمة مقيدة لكن المثل الاعلى مطلق.

ومن هنا حرص الاسلام على التمييز دائما بين الوجود الذهني وما بين اللّه سبحانه وتعالى الذي هو المثل الاعلى.

فرق حتى بين الاسم والمسمى وأكد على انه لا يجوز عبادة الاسم ، وانما العبادة تكون للمسمى لان الاسم ليس الا وجودا ذهنيا ، الا واجهة ذهنية للّه سبحانه وتعالى، بينما الواجهات الذهنية دائما محدودة ، العبادة يجب ان تكون للمسمى لا للاسم ، لان المسمى هو المطلق اما الاسم فهو مقيد ومحدود، الواجهات الذهنية تبقى كواجهات ذهنية محدودة مرحلية واما صفة المثل الاعلى تبقى قائمة باللّه سبحانه وتعالى.

سؤال وجواب

التاريخ: 8 / تشرين الثاني / 2014 م 3141
التاريخ: 24 / أيلول / 2014 م 3790
التاريخ: 24 / أيلول / 2014 م 3358
التاريخ: 8 / 12 / 2015 4407
التاريخ: 8 / تشرين الثاني / 2014 م 3864
شبهات وردود

التاريخ: 23 / نيسان / 2015 م 2069
التاريخ: 8 / تشرين الثاني / 2014 م 2140
التاريخ: 8 / تشرين الثاني / 2014 م 2381
التاريخ: 24 / أيلول / 2014 م 2178

المرجع الإلكتروني للمعلوماتية هو موقع معلوماتي موسوعي شامل يحتوي على العديد من النوافذ الفكرية العلمية والإنسانية ، وخيارك الأفضل للبحث عن المعلومة الدقيقة المقتبسة من أمهات الكتب بوثاقةٍ وموضوعية .