English
       
جميع الاقسام
القرآن وعلومهُ العقائد الإسلامية الفقه وأصولهُ الرجال والحديث سيرة الرسول وآله علوم اللغة العربية الأدب العربي الأسرة والمجتمع الاخلاق و الادعية التاريخ
المزيد   
القرآن الكريم وعلومه
عدد المواضيع في القسم ( 11727) موضوعاً
تأملات قرآنية
علوم القرآن
الإعجاز القرآني
قصص قرآنية
العقائد في القرآن
التفسير الجامع
السيرة النبوية

التاريخ: 24 / 12 / 2015 1634
التاريخ: 4 / 8 / 2016 1377
التاريخ: 4 / 5 / 2017 1237
التاريخ: 14 / 2 / 2019 447
مقالات عقائدية

التاريخ: 1 / تشرين الاول / 2014 م 2143
التاريخ: 10 / 7 / 2016 2265
التاريخ: 24 / تشرين الثاني / 2014 2432
التاريخ: 9 / حزيران / 2015 م 2321
تفسير آية (155-157) من سورة الأعراف  
  
802   01:54 صباحاً   التاريخ: 27 / 6 / 2019
المؤلف : المرجع الإلكتروني للمعلوماتية
الكتاب أو المصدر : تفاسير الشيعة
الجزء والصفحة : ......

قال تعالى : {واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (155) واكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ ورَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ والَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ والإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ ويَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف : 155 - 157] .

 

تفسير مجمع البيان
- ذكر الطبرسي في تفسير هذه الآيات (1) :

قال تعالى : {واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ} [الأعراف : 155] .

 أخبر تعالى عن اختيار موسى من قومه ، عند خروجه إلى ميقات ربه ، فقال : {واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا} واختلف في سبب اختياره إياهم ووقته ، فقيل : إنه اختارهم حين خرج إلى الميقات ليكلمه الله سبحانه ، بحضرتهم ، ويعطيه التوراة ، فيكونوا شهداء له عند بني إسرائيل ، لما لم يثقوا بخبره أن الله سبحانه يكلمه ، فلما حضروا الميقات وسمعوا كلامه تعالى ، سألوا الرؤية ، فأصابتهم الصاعقة ، ثم أحياهم الله تعالى ، فابتدأ سبحانه بحديث الميقات ، ثم اعترض حديث العجل ، فلما تم ، عاد إلى بقية القصة ، وهذا الميقات هو الميعاد الأول الذي تقدم ذكره ، عن أبي علي الجبائي ، وأبي مسلم ، وجماعة من المفسرين ، وهو الصحيح ، ورواه علي بن إبراهيم ، في تفسيره . وقيل : إنه اختارهم بعد الميقات الأول للميقات الثاني بعد عبادة العجل ، ليعتذروا من ذلك .

{فلما} سمعوا كلام الله قالوا : أرنا الله جهرة ف‍ {أخذتهم الرجفة} وهي الرعدة والحركة الشديدة ، حتى كادت ان تبين مفاصلهم ، وخاف موسى عليهم الموت ، فبكى ، ودعا ، وخاف أن يتهمه بنو إسرائيل على السبعين ، إذا عاد إليهم ، ولم يصدقوه بأنهم ماتوا ، عن السدي ، والحسن ، وقال ابن عباس : إن السبعين الذين قالوا : {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة} كانوا قبل السبعين الذين أخذتهم الرجفة ، وإنما أمر الله تعالى موسى أن يختار من قومه سبعين رجلا ، فاختارهم وبرز بهم ليدعو ربهم ، فكان فيما دعوا أن قالوا : اللهم أعطنا ما لم تعط أحدا قبلنا ، ولا تعطيه أحدا بعدنا! فكره الله ذلك من دعائهم ، فأخذتهم الرجفة .

ورووا عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال : (إنما اخذتهم الرجفة من أجل دعواهم على موسى قتل أخيه هارون ، وذلك أن موسى ، وهارون ، وشبر ، وشبير ، ابني هارون ، انطلقوا إلى سفح جبل ، فنام هارون على سرير ، فتوفاه الله ، فلما مات ، دفنه موسى عليه السلام ، فلما رجع إلى بني إسرائيل ، قالوا له : أين هارون؟ قال :

توفاه الله . فقالوا : لا بل أنت قتلته ، حسدتنا على خلقه ولينه ، قال : فاختاروا من شئتم . فاختاروا منهم سبعين رجلا ، وذهب بهم ، فلما انتهوا إلى القبر ، قال موسى : يا هارون أقتلت أم مت؟ فقال هارون : ما قتلني أحد ، ولكن توفاني الله .

فقالوا : لن نعصي بعد اليوم ، فأخذتهم الرجفة وصعقوا) .

وقيل : إنهم ماتوا ثم أحياهم الله ، وجعلهم أنبياء ، وقال وهب : لم تكن تلك الرجفة موتا ، ولكن القوم لما رأوا تلك الهيئة ، أخذتهم الرعدة ، فقلقلوا ورجفوا ، حتى كادت تبين منهم مفاصلهم ، وتنقض ظهورهم . فلما رأى ذلك موسى رحمهم ، وخاف عليهم الموت ، واشتد عليه فقدهم ، وكانوا وزراءه على الخير ، سامعين له مطيعين ، فعند ذلك دعا ، وبكى ، وناشد ربه ، فكشف الله عنهم تلك الرجفة والرعدة ، فسكنوا واطمأنوا ، وسمعوا كلام ربهم {قال} أي : قال موسى {رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي} أي : لو شئت أهلكت هؤلاء السبعين من قبل هذا الموقف ، وأهلكتني معهم ، فالآن ماذا أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم {أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} معناه النفي ، وإن كان بصورة الانكار ، والمعنى : إنك لا تهلكنا بما فعل السفهاء منا ، فبهذا نسألك رفع المحنة بالإهلاك عنا ، وما فعله السفهاء هو عبادة العجل ، ظن موسى أنهم أهلكوا لأجل عبادة بني إسرائيل العجل ، فهم السفهاء . وقيل : هو سؤال الرؤية عن جماعة من المفسرين {إن هي إلا فتنتك} معناه : إن الرجفة إلا اختبارك ، وابتلاؤك ، ومحنتك ، أي : تشديدك التعبد والتكليف علينا بالصبر على ما أنزلته بنا ، عن سعيد بن جبير ، وأبي العالية ، والربيع ، ومثله قوله : {أولا يرون انهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين} يعني بذلك الأمراض والأسقام التي شدد الله بها التعبد على عباده ، وإنما سمي ذلك فتنة ، لأنه يشتد الصبر عليها ، ومثله {ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} أي : لا ينالهم شدائد الدنيا . وقيل : إن المراد إن هي إلا عذابك ، عن ابن عباس . وقد سمى الله العذاب فتنة في قوله {يوم هم على النار يفتنون} أي : يعذبون ، فكأنه قال ليس هذا الإهلاك إلا عذابك لهم بما فعلوه من الكفر ، وعبادة العجل ، أو سؤالهم الرؤية .

{تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء} أي : تصيب بهذه الرجفة من تشاء ، وتصرفها عمن تشاء ، عن ابن عباس . وتقديره : تهلك بها من تشاء ، وتنجي من تشاء . وقيل معناه : تضل بترك الصبر على فتنتك ، وترك الرضاء بها من تشاء ، عن نيل ثوابك ، ودخول جنتك ، وتهدي بالرضا بها ، والصبر عليها ، من تشاء {أنت ولينا} معناه : أنت ناصرنا والأولى بنا ، تحوطنا وتحفظنا {فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين} أي : خير الساترين على عباده ، والمتجاوزين لهم عن جرمهم .

- {واكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ ورَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ والَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ } [الأعراف : 156] .

هذا تمام ما قاله موسى في دعائه {واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة} سأل الله سبحانه أن يكتب لهم الحسنة في الدنيا ، وهي النعمة ، وإنما سميت النعمة حسنة ، وإن كانت الحسنة اسم الطاعة لله لأمرين : أحدهما : إن النعمة تتقبلها النفس ، كما أن الطاعة يتقبلها العقل ، والآخر : إنها ثمرة الطاعة لله ، وإنما ذكر بلفظ الكتابة ، ولم يقل : واجعل لنا ، أو أوجب لنا ، لأن الكتابة أثبت وأدوم ، يقال :

كتب رزق فلان في الديوان ، فيدل ذلك على دوامه وثبوته على مرور الأزمان (وفي الآخرة} معناه واكتب لنا في الآخرة حسنة ، أيضا ، كما في قوله {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة} . وقيل : الحسنة في الدنيا : الثناء الجميل ، وفي الآخرة : الرفعة . وقيل : هي في الدنيا : التوفيق للأعمال الصالحة ، وفي الآخرة :

المغفرة ، والجنة {إنا هدنا إليك} أي : رجعنا بتوبتنا إليك ، والهود ، الرجوع .

{قال} الله . تعالى مجيبا لموسى عليه السلام {عذابي أصيب به من أشاء} ممن عصاني ، واستحقه بعصيانه ، وإنما علقه بالمشيئة ، لجواز الغفران في العقل {ورحمتي وسعت كل شئ} قال الحسن ، وقتادة : إن رحمته في الدنيا وسعت البر والفاجر ، وهي يوم القيامة للمتقين خاصة . وقال عطية العوفي : وسعت كل شيء ، ولكن لا تجب إلا للذين يتقون ، وذلك أن الكافر يرزق ، ويدفع عنه بالمؤمن ، لسعة رحمة الله للمؤمن ، فيعيش فيها ، فإذا صار في الآخرة ، وجبت للمؤمنين خاصة ، كالمستضئ بنار غيره ، إذا ذهب صاحب السراج بسراجه . وقيل : معناه أنها تسع كل شيء إن دخلوها ، فلو دخل الجميع فيها لوسعتهم ، إلا أن فيهم من لا يدخل فيها لضلاله . وفي الحديث : (إن النبي عليه السلام قام في الصلاة ، فقال أعرابي وهو في الصلاة : اللهم ارحمني ومحمدا ، ولا ترحم معنا أحدا! فلما سلم رسول الله عليه السلام قال للأعرابي : لقد تحجرت واسعا يريد رحمة الله عز وجل) ، أورده البخاري في الصحيح .

{فسأكتبها للذين يتقون} أي : فسأوجب رحمتي للذين يتقون الشرك أي :

يجتنبونه . وقيل : يجتنبون الكبائر ، والمعاصي {ويؤتون الزكاة} أي : يخرجون زكاة أموالهم ، لأنه من أشق الفرائض . وقيل : معناه ويطيعون الله ورسوله ، عن ابن عباس ، والحسن ، وإنما ذهبا إلى تزكية النفس ، وتطهيرها {والذين هم بآياتنا يؤمنون) أي : بحججنا وبيناتنا يصدقون . وروي عن ابن عباس ، وقتادة ، وابن جريج : إنها لما نزلت {ورحمتي وسعت كل شئ} قال إبليس : أنا من ذلك الشيء ، فنزعها الله من إبليس بقوله : {فسأكتبها للذين يتقون} إلى آخر الآية فقال اليهود والنصارى : نحن نتقي ونؤتي الزكاة ونؤمن بآيات ربنا ، فنزعها منهم ، وجعلها لهذه الأمة بقوله {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي} الآية .

- { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ والإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ ويَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف : 157] .

ثم وصف سبحانه ، الذين يتقون بصفة أخرى ، فقال : {الذين يتبعون الرسول النبي} أي : يؤمنون به ، ويعتقدون بنبوته ، يعني نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم {الأمي} ذكر في معناه أقوال أحدها أنه الذي لا يكتب ولا يقرأ وثانيها : إنه منسوب إلى الأمة ، والمعنى أنه على جبلة الأمة قبل استفادة الكتابة . وقيل : إن المراد بالأمة العرب ، لأنها لم تكن تحسن الكتابة وثالثها : إنه منسوب إلى الأم ، والمعنى إنه على ما ولدته أمه قبل تعلم الكتابة ورابعها : إنه منسوب إلى أم القرى ، وهي مكة ، وهو المروي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام .

{الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل} معناه : يجدون نعته وصفته ونبوته ، مكتوبا في الكتابين ، لأنه مكتوب في التوراة ، في السفر الخامس : (إني سأقيم لهم نبيا من إخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فيه فيقول لهم كل ما أوصيه به) وفيها أيضا مكتوب : (وأما ابن الأمة ، فقد باركت عليه جدا جدا ، وسيلد اثني عشر عظيما وأؤخره لأمة عظيمة) وفيها أيضا (أتانا الله من سيناء ، وأشرق من ساعير ، واستعلن من جبال فاران) . وفي الإنجيل بشارة بالفارقليط في مواضع منها : (نعطيكم فارقليط آخر يكون معكم آخر الدهر كله) . وفيه أيضا قول المسيح للحواريين : (أنا أذهب ، وسيأتيكم الفارقليط روح الحق ، الذي لا يتكلم من قبل نفسه ، إنه نذيركم بجميع الحق ، ويخبركم بالأمور المزمعة ، ويمدحني ويشهد لي) وفيه أيضا : (إنه إذا جاء فند أهل العالم) (2) .

{يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر} يجوز أن يكون هذا مكتوبا في التوراة والإنجيل ، ويكون موصولا بما قبله ، وبيانا لمن يكتب له رحمة الولاية والمحبة ، ويجوز أن يكون ابتداء من قول الله تعالى مدحا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والمعروف : الحق ، والمنكر : الباطل ، لأن الحق معروف الصحة في العقول ، والباطل منكر الصحة في العقول . وقيل : المعروف : مكارم الأخلاق ، وصلة الأرحام ، والمنكر : عبادة الأوثان ، وقطع الأرحام ، عن ابن عباس . وهذا القول داخل في القول الأول {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} معناه : يبيح لهم المستلذات الحسنة ، ويحرم عليهم القبائح ، وما تعافه الأنفس . وقيل : يحل لهم ما اكتسبوه من وجه طيب ، ويحرم عليهم ما اكتسبوه من وجه خبيث . وقيل : يحل لهم ما حرمه عليهم رهابينهم وأحبارهم ، وما كان يحرمه أهل الجاهلية من البحائر ، والسوائب ، وغيرها ، ويحرم عليهم الميتة ، والدم ، ولحم الخنزير ، وما ذكر معها .

{ويضع عنهم إصرهم} أي : ثقلهم . شبه ما كان على بني إسرائيل من التكليف الشديد بالثقل ، وذلك أن الله سبحانه جعل توبتهم أن يقتل بعضهم بعضا ، وجعل توبة هذه الأمة الندم بالقلب ، حرمة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، عن الحسن . وقيل :

الإصر : هو العهد الذي كان سبحانه أخذه على بني إسرائيل أن يعملوا بما في التوراة ، عن ابن عباس ، والضحاك ، والسدي ، ويجمع المعنيين قول الزجاج :

الإصر : ما عقدته من عقد ثقيل . {والأغلال التي كانت عليهم} معناه : ويضع عنهم العهود التي كانت في ذمتهم ، وجعل تلك العهود بمنزلة الأغلال التي تكون في الأعناق ، للزومها ، كما يقال هذا طوق في عنقك . وقيل : يريد بالأغلال ما امتحنوا به من قتل نفوسهم في التوبة ، وقرض ما يصيبه البول من أجسادهم ، وما أشبه ذلك ، من تحريم السبت ، وتحريم العروق ، والشحوم ، وقطع الأعضاء الخاطئة ، ووجوب القصاص دون الدية ، عن أكثر المفسرين .

{فالذين آمنوا به} أي : بهذا النبي ، وصدقوه في نبوته {وعزروه} أي : عظموه ، ووقروه ، ومنعوا عنه أعداءه {ونصروه} عليهم {واتبعوا النور} معناه القرآن الذي هو نور في القلوب ، كما أن الضياء نور في العيون ، ويهتدي به الخلق في أمور الدين ، كما يهتدون بالنور في أمور الدنيا {الذي أنزل معه} أي : أنزل عليه ، وقد يقوم مع مقام على كما يقوم على مقام مع . وقيل : معناه أنزل في زمانه ، وعلى عهده .

ويروى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأصحابه : أي الخلق أعجب إيمانا؟ قالوا : الملائكة . فقال : الملائكة عند ربهم فما لهم لا يؤمنون؟ قالوا : فالنبيون . قال : النبيون يوحى إليهم فما لهم لا يؤمنون؟ قالوا : فنحن يا نبي الله . قال : أنا فيكم ، فما لكم لا تؤمنون؟ إنما هم قوم يكونون بعدكم ، يجدون كتابا في ورق ، فيؤمنون به ، فهو معنى قوله {واتبعوا النور الذي أنزل معه} . {أولئك هم المفلحون} أي : الظافرون بالمراد ، الناجون من العقاب ، الفائزون بالثواب .

_______________________________

1 . تفسير مجمع البيان ، ج4 ، ص 367-375 .

2 . فنده : كذبه ، وخطأ رأيه ، وجهله .

تفسير الكاشف
- ذكر محمد جواد مغنيه في تفسير هذه الآيات (1) :

{واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا} . لقد أطال المفسرون الكلام حول هذه الآية ، وتضاربت أقوالهم في تفسيرها . فاختلفوا في بيان الميقات هل هو ميقات نزول التوراة أو غيره ؟ وأيضا اختلفوا لماذا اختار موسى من قومه سبعين رجلا للخروج إلى الميقات : هل لأنهم اتهموا موسى ، وقالوا له : لن نؤمن لك حتى نسمع كلام اللَّه كما سمعته أنت ، فصحبهم معه ليسمعوا كما سمع ، أو لسبب آخر ؟ وأيضا اختلف المفسرون في السبب الذي من أجله عاقبهم اللَّه .

وبالتالي اختلفوا : هل أدت الرجفة بهم إلى الموت ، أو انها كادت أن تقصم ظهورهم ، وتقطع مفاصلهم ، ولم تبلغ بهم إلى الموت .

وليس في الآية أية إشارة إلى شيء مما اختاره جماعة من المفسرين ، وكل ما دلت عليه ان موسى (عليه السلام) اختار من قومه سبعين رجلا ، ليذهب بهم إلى ميقات ربه ، وبطبيعة الحال كان هذا الاختيار بأمر من اللَّه لأن موسى لا يفعل إلا بما يؤمر ، وان اللَّه قد أنزل بالسبعين نوعا من العذاب لحكمة استدعت ذلك ، وليس لدينا ما يثبت تحديد الميقات ، ولا السبب الموجب للاختيار ، ولا للعذاب . .

أجل ، ان قول موسى للَّه : {أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا} يدل على انهم فعلوا ما يوجب الهلاك ، ولكنه لم يبين الشيء الذي فعلوه ، وليس لنا أن نقول ما لا نعلم .

{فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وإِيَّايَ} . لقد اصطفى موسى من خيار قومه سبعين رجلا ، وذهب بهم إلى ميقات ربه ، حتى إذا بلغوه هلكوا جميعا ، وبقي فريدا . . انه لموقف حرج يضعف فيه الفؤاد ، وتقل فيه الحيلة ؟ . فما يصنع ؟ . هل يرجع وحده إلى بني إسرائيل ؟ . وبماذا يجيبهم إذا سألوه عن رجالهم ؟ . لا ملجأ أبدا من اللَّه إلا إليه ، فتضرع إلى اللَّه أن يكشف عنه ما هو فيه ، وتمنى لو أهلكه معهم من قبل أن يأتي بهم إلى هذا المكان . . ثم قال مخاطبا العلي الأعلى : {أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا} أي انك أجل وأعظم من أن تفعل ذلك ، لأنك حليم كريم .

{إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وتَهْدِي مَنْ تَشاءُ} . للفتنة معان ، منها الإضلال والإفساد ، ومنه {يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ} [الأعراف - 26] . ويقال : هذا مفتن أي مفسد . ومن معاني الفتنة القتال ، يقال : افتتن القوم أي تحاربوا وتقاتلوا . ومنها الابتلاء والاختبار وكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ . وتستعمل الفتنة كثيرا في العذاب ، ومنه الآية 25 من الأنفال : {واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً واعْلَمُوا أَنَّ اللَّهً شَدِيدُ الْعِقابِ} .

وهذا المعنى أي العذاب هو المراد من الفتنة في قوله : {إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ} وضمير هي يعود إلى الرجفة التي تقدم ذكرها صراحة ، ومعنى {تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ} ان اللَّه يصيب بالرجفة التي هي العذاب من يشاء من عباده ، ومعنى {وتَهْدِي مَنْ تَشاءُ} انه تعالى يصرف الرجفة عمن يشاء . والمعنى الجملي ان اللَّه سبحانه ينزل العذاب بمن يشاء ممن يستحقه ، ويصرفه عمن يشاء ممن لا يستحقه . .

وبهذا يتبين معنا ان قوله : {إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ} يرتبط معناه بما تقدم عليه ، وتأخر عنه من السياق ، وانه لا يجوز الاستدلال به على ان الإضلال من اللَّه ، وكيف يضل اللَّه الإنسان ، ثم يعاقبه على الضلال ؟ . وما اللَّه يريد ظلما للعباد . .

ان الشيطان هو العدو المضل ، وكفى بربك هاديا ونصيرا (2) .

{أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ واكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ} . ولا ترجمان لهذه المناجاة أفضل من قول سيد الشهداء الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) حين أحاط به الألوف من كل جانب ، وهو وحيد فريد فلاذ إلى ربه ، وعاذ به من أعدائه قائلا :

(اللهم أنت ثقتي في كل كرب ، وأنت رجائي في كل شدة ، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة ، كم من كرب يضعف فيه الفؤاد ، وتقل فيه الحيلة ، ويخذل فيه الصديق ، ويشمت فيه العدو أنزلته بي ، وشكوته إليك رغبة مني إليك عمن سواك ، ففرجته عني وكشفته ، فأنت ولي كل نعمة ، وصاحب كل حسنة ، ومنتهى كل رغبة) .

{قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ} ممن يستحق العذاب ، لأن مشيئة اللَّه لا تجري إلا بالحق والعدل ، ولا عبث ولا ظلم عند اللَّه ، قال الرازي : قرأ الحسن أصيب به من أساء بالسين لا بالشين ، واختار الشافعي هذه القراءة .

رحمة اللَّه تسع إبليس :

يطلق القرآن رحمة اللَّه على عنايته ، وعلى ثوابه ، ومعنى العناية منه جل ثناؤه ان الموجودات بكاملها ، حتى إبليس تفتقر إليه سبحانه في بقائها واستمرارها ، كما تفتقر إليه في أصل وجودها ، وانه هو الذي يمدها بالبقاء في كل لحظة من لحظات استمرارها في الوجود ، بحيث لو تخلى عنها طرفة عين فما دونها لم تكن شيئا مذكورا ، وأوضح تفسير لهذه الرحمة والعناية الآية 45 من سورة فاطر : {ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ} .

وهذه الرحمة هي المراد من قوله تعالى : {ورَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} حتى إبليس اللعين . أما الرحمة بمعنى الثواب فان اللَّه سبحانه يمنحها لمن آمن واتقى ، وإليها أشار بقوله : {فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} المعاصي ، ويمتثلون أمر اللَّه ونهيه {ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ} وذكر الزكاة دون الصلاة ، لأن الإنسان يطغى ان رآه استغنى .

{والَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ} . أي ان رحمة اللَّه التي هي بمعنى الثواب لا ينالها إلا من اتقى اللَّه ، وآتى المال على حبه ، وآمن بنبوة محمد ( صلى الله عليه وآله ) إذا بلغت إليه رسالته . . وخص المال بالذكر لما أشرنا إليه ، ولأن الحديث عن اليهود ، والمال ربهم الذي لا إله سواه عندهم وقد وصف اللَّه محمدا ( ص ) في هذه الآية بالصفات التالية :

1 - {الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ} والأمية وصف خاص به ، دون الأنبياء إشعارا بأنه على أميته أخرج الناس من الظلمات إلى النور ، وأثر في حياة الأمم في كل عصر ومصر .

2 - {الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ والإِنْجِيلِ} . راجع تفسير الآية 146 من سورة البقرة ج 1 ص 233 . وفقرة هل الأنبياء كلهم شرقيون ؟

ج 2 ص 492 الآية 163 من سورة النساء .

3 - {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ} . راجع ج 2 ص 123 و 132 الآية 104 و 110 من آل عمران .

4 - {ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ} .

5 - {ويَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ} . الإصر الثقل الذي يمنع من الحركة ، والمراد بالأغلال المشقة . . لقد حرم اللَّه على بني إسرائيل بعض الطيبات التي أشار إليها في الآية 146 من سورة الأنعام ، كما ان شريعة موسى كانت شديدة وشاقة ، حتى ان التائب من بني إسرائيل لا تقبل توبته الا إذا قتل نفسه : {فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة - 54] . ويقول اللَّه لبني إسرائيل الذين أدركوا محمدا ( صلى الله عليه وآله ) : انهم إذا أسلموا تحل لهم طيبات ما حرم عليهم ، وترتفع عنهم المشقة في التكليف ، لأن محمدا قد بعث بالشريعة السهلة السمحة .

{فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ} المراد من آمن بمحمد ( صلى الله عليه وآله ) من اليهود وغيرهم {وعَزَّرُوهُ} أعانوه في دعوته ، ووقروه لعظمته {ونَصَرُوهُ} على عدوه {واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ} أي عملوا بالقرآن {أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} في الدنيا والآخرة .

__________________________

1. تفسير الكاشف ، ج4 ، ص 401-404 .

2. راجع فصل الهدى والضلال ج1 ص 70 من هذا التفسير الآية 26 سورة البقرة .

تفسير الميزان
- ذكر الطباطبائي في تفسير هذه الآيات (1) :

قوله تعالى : ﴿واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا﴾ أي اختار من قومه فالقوم منصوب بنزع الخافض .

والآية تدل على أن الله سبحانه عين لهم ميقاتا فحضره منهم سبعون رجلا اختارهم موسى من القوم ، ولا يكون ذلك إلا لأمر ما عظيم لكن الله سبحانه لم يبين هاهنا ما هو الغاية المقصودة من حضورهم غير أنه ذكر أنهم أخذتهم الرجفة ولم تأخذهم إلا لظلم عظيم ارتكبوه حتى أدى بهم إلى الهلاك بدليل قول موسى (عليه السلام) : ﴿رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أ تهلكنا بما فعل السفهاء منا﴾ فيظهر من هنا أن الرجفة أهلكتهم .

ويتأيد بذلك أن هذه القصة هي التي يشير سبحانه إليها بقوله : ﴿وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون﴾ البقرة : 56 ، وبقوله : ﴿يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء﴾ ﴿فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك﴾ النساء : 153 .

ومن ذلك يظهر أن المراد بالرجفة التي أخذتهم في الميقات رجفة الصاعقة لا رجفة في أبدانهم كما احتمله بعض المفسرين ولا ضير في ذلك فقد تقدم نظير التعبير في قصة قوم صالح حيث قال تعالى : ﴿فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين﴾ الأعراف : 78 ، وقال فيهم : ﴿فأخذتهم صاعقة العذاب الهون﴾ السجدة : 17 .

وفي آية النساء المنقولة آنفا إشعار بأن سؤالهم الرؤية كان مربوطا بنزول الكتاب وأن اتخاذ العجل كان بعد ذلك فكأنهم حضروا الميقات لنزول التوراة ، وأنهم إنما سألوا الرؤية ليكونوا على يقين من كونها كتابا سماويا نازلا من عند الله ، ويؤيد ذلك أن الظاهر أن هؤلاء المختارين كانوا مؤمنين بأصل دعوة موسى ، وإنما أرادوا بقولهم : ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ تعليق إيمانهم به من جهة نزول التوراة عليه على الرؤية .

وبهذا كله يتأيد أن هذه القصة جزء من قصة الميقات ونزول التوراة ، وأن موسى (عليه السلام) لما أراد الحضور لميقات ربه ونزول التوراة اختار هؤلاء السبعين فذهبوا معه إلى الطور ولم يقنعوا بتكليم الله كليمه ، وسألوا الرؤية فأخذتهم الصاعقة فماتوا ثم أحياهم الله بدعوة موسى ، ثم كلم الله موسى وسأل الرؤية وكان ما كان ، ومما كان اتخاذ بني إسرائيل العجل بعد غيبتهم وذهابهم لميقات الله ، وقد وقع هذا المعنى في بعض الأخبار المأثورة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كما سيجيء إن شاء الله .

وعلى أي حال العناية في هذه القصة ببيان ظلمهم ونزول العذاب عليهم ودعاء موسى لهم لا بيان كون هذه القصة جزءا من القصة السابقة لو كان جزءا ، ولا مغايرتها لها لو كانت مغايرة فلا دلالة في اللفظ تنبه على شيء من ذلك .

وما قيل : إن ظاهر الحال أن تكون هذه القصة مغايرة للمتقدمة إذ لا يليق بالفصاحة ذكر بعض القصة ثم النقل إلى أخرى ثم الرجوع إلى الأولى فإنه اضطراب يصان عند كلامه .

على أنه لو كانت الرجفة بسبب سؤال الرؤية لقيل : أ تهلكنا بما قال السفهاء منا لا بما فعل ، ولم يذكر هاهنا أنهم قالوا شيئا ، وليس من المعلوم أن يكون قولهم ﴿أرنا الله جهرة﴾ صدر منهم هاهنا بل الحق أنها قصص ثلاث : قصة سؤالهم الرؤية ونزول الصاعقة ، وقصة ميقات موسى وصعقته ، وقصة ميقات السبعين وأخذ الرجفة ، وسنوردها في البحث الروائي التالي إن شاء الله .

ولذلك ذكر بعضهم أن هذا الميقات غير الميقات الأول ، وذلك أنهم لما عبدوا العجل أمر الله موسى أن يأتي في أناس منهم إلى الطور فيعتذروا من عبادة العجل فاختار منهم سبعين فأتوا الطور فقالوا ما قالوا فأخذتهم رجفة في أبدانهم كادت تهلكهم ثم انكشفت عنهم بدعاء موسى .

وذكر بعض آخر أن هارون لما مات اتهم بنو إسرائيل موسى في أمره ، وقالوا له : أنت حسدته فينا فقتلته ، وأصروا على ذلك فاختار منهم سبعين وفيهم ابن هارون فأتوا قبره فكلمه موسى فبرأه هارون من قتله فقالوا : ما نقضي يا موسى ادع لنا ربك يجعلنا أنبياء فأخذتهم الرجفة فصعقوا .

وذكر آخرون أن بني إسرائيل سألوا موسى الرؤية فاختار منهم السبعين فجاءوا إلى الطور فقالوا ما قالوا وأخذتهم الرجفة فهلكوا ثم أحياهم الله بدعاء موسى إلا أنها قصة مستقلة ليست بجزء من قصة موسى .

وأنت خبير بأن شيئا من هذه الأقوال وبالخصوص القولان الأولان لا دليل عليه من لفظ القرآن ، ولا يؤيده أثر معتبر ، وتقطيع القصة الواحدة إلى قصص متعددة ، والانتقال من حديث إلى آخر لتعلق عناية بذلك غير عزيز في القرآن الكريم ، وليس القرآن كتاب قصة حتى يعاب بالانتقال عن قصة قبل تمامها ، وإنما هو كتاب هداية ودلالة وحكمة يأخذ من القصص ما يهمه .

وأما قوله : ﴿بما فعل السفهاء﴾ وقد كان الصادر منهم قولا لا فعلا فالوجه في ذلك أن المؤاخذة إنما هو على المعصية ، والمعصية تعد عملا وفعلا وإن كانت من قبيل الأقوال كما قال تعالى : ﴿إنما تجزون ما كنتم تعملون﴾ التحريم : 7 ، فإنه شامل لقول كلمة الكفر والكذب والافتراء ونحو ذلك بلا ريب ، والظاهر أنهم عذبوا بما كان يستلزمه قولهم من سوء الأدب والعناد والاستهانة بمقام ربهم .

على أن ظاهر تلك الأقوال جميعا أنهم إنما عذبوا بالرجفة قبال ما قالوه دون ما فعلوه فالإشكال على تقدير وروده مشترك بين جميع الأقوال فالأقرب كون القصة جزءا من سابقتها كما تقدم .

قوله تعالى : ﴿قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي - إلى قوله - من تشاء﴾ يريد (عليه السلام) بذلك أن يسأل ربه أن يحييهم خوفا من أن يتهمه بنو إسرائيل فيخرجوا به عن الدين ، ويبطل بذلك دعوته من أصلها فهذا هو الذي يبتغيه غير أن المقام والحال يمنعانه من ذلك فها هو (عليه السلام) واقع أمام معصية موبقة من قومه صرعتهم وغضب إلهي شديد أحاط بهم حتى أهلكهم .

ولذلك أخذ يمهد الكلام رويدا ويسترحم ربه بجمل من الثناء حتى يهيج الرحمة على الغضب ، ويثير الحنان والرأفة الإلهية ثم يتخلص إلى مسألته وذكر حاجته في جو خال من موانع الإجابة .

﴿قال﴾ مبتدئا باسم الربوبية المهيجة للرحمة ﴿رب لو شئت أهلكتهم من قبل﴾ فالأمر إلى مشيتك ، ولو أهلكتهم من قبل ﴿وإياي﴾ لم يتجه من قومي إلي تهمة في هلاكهم ، ثم ذكر أنه ليس من شأن رحمته وسنة ربوبيته أن يؤاخذ قوما بفعل سفهائهم فقال في صورة الاستفهام تأدبا : ﴿أتهلكنا بما فعل السفهاء منا﴾ ؟ ثم أكد القول بقوله : ﴿إن هي إلا فتنتك﴾ وامتحانك ﴿تضل بها﴾ أي بالفتنة ﴿من تشاء وتهدي من تشاء﴾ أي إن هذا المورد أحد موارد امتحانك وابتلائك العام الذي تبتلي به عبادك وتجريه عليهم ليضل من ضل ويهتدي من اهتدى ، وليس من سنتك أن تهلك كل من افتتن بفتنتك فانحرف عن سوي صراطك .

وبالجملة أنت الذي سبقت رحمتك غضبك ليس من دأبك أن تستعجل المسيئين من عبادك بالعقوبة أو تعاقبهم بما فعل سفهاؤهم ، وأنت الذي أرسلتني إلى قومي ووعدتني أن تنصرني في نجاح دعوتي ، وهلاك هؤلاء المصعوقين يجلب علي التهمة من قومي .

قوله تعالى : ﴿أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين﴾ شروع منه (عليه السلام) في الدعاء بعد ما قدمه من الثناء ، وبدأه بقوله : ﴿أنت ولينا﴾ وختمه بقوله : ﴿وأنت خير الغافرين﴾ ليقع ما يسأله بين صفتي ولاية الله الخاصة به ، ومغفرته التي هي خير مغفرة ثم سأل حاجته بقوله : ﴿فاغفر لنا وارحمنا﴾ لأنه خير حاجة يرتضي الله من عباده أن يسألوها عنه ، ولم يصرح بخصوص حاجته التي بعثته إلى الدعاء ، وهي إحياء السبعين الذين أهلكهم الله تذللا واستحياء .

وحاجته هذه مندرجة في قوله : ﴿فاغفر لنا وارحمنا﴾ لا محالة فإن الله سبحانه يذكر في آية سورة البقرة أنه بعثهم بعد موتهم ، ولم يكن ليحييهم بعد ما أهلكهم إلا بشفاعة موسى (عليه السلام) ولم يذكر من دعائه المرتبط بحالهم إلا هذا الدعاء فهو إنما سأله ذلك تلويحا بقوله ﴿فاغفر لنا﴾ إلخ كما تقدم لا تصريحا .

قوله تعالى : ﴿واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك﴾ أي رجعنا إليك من هاد يهود إذا رجع ، وهو أعني قوله : ﴿إنا هدنا إليك﴾ تعليل لهذا الفصل من الدعاء سأل فيه أن يكتب الله أي يقضي لهم بحسنة في الدنيا وحسنة في الآخرة والمراد بالحسنة لا محالة الحياة والعيشة الحسنة فإن الرجوع إلى الله أي سلوك طريقته والتزام سبيل فطرته يهدي الإنسان إلى حياة طيبة وعيشة حسنة في الدنيا والآخرة جميعا ، وهذا هو الوجه فيما ذكرنا أن قوله : ﴿إنا هدنا إليك﴾ تعليل لهذا الفصل من دعائه فإن الحياة الطيبة من آثار الرجوع إلى الله ، وهي شيء من شأنه أن يرزقوه - لو رزقوا - في مستقبل أمرهم ، وهو المناسب للكتابة والقضاء ، وأما الفصل الأول من الدعاء أعني قوله : ﴿فاغفر لنا وارحمنا﴾ إلخ فتكفي في تعليله الجمل السابقة عليه ، وما احتف به من قوله : ﴿أنت ولينا﴾ وقوله : ﴿وأنت خير الغافرين﴾ ولا يتعلق بقوله : ﴿إنا هدنا إليك﴾ فافهم ذلك .

قوله تعالى : ﴿قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء﴾ هذا جواب منه سبحانه لموسى ، وفيه محاذاة لما قدمه موسى قبل مسألته من قوله : ﴿رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي﴾ وقد قيد الله سبحانه إصابة عذابه بقوله : ﴿من أشاء﴾ دون سعة رحمته لأن العذاب إنما ينشأ من اقتضاء من قبل المعذبين لا من قبله سبحانه ، قال تعالى : ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم﴾ النساء : 147 وقال : ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد﴾ إبراهيم : 7 ، فلا يعذب الله سبحانه باقتضاء من ربوبيته ولو كان كذلك لعذب كل أحد بل إنما يعذب بعض من تعلقت به مشيته فلا تتعلق مشيته إلا بعذاب من كفروا نعمه فالعذاب إنما هو باقتضاء من قبل المعذبين لكفرهم لا من قبله .

على أن كلامه سبحانه يعطي أن العذاب إنما حقيقته فقدان الرحمة ، والنقمة عدم بذل النعمة ، ولا يتحقق ذلك إلا لعدم استعداد المعذب بواسطة الكفران والذنب لإفاضة النعمة عليه وشمول الرحمة له ، فسبب العذاب في الحقيقة عدم وجود سبب الرحمة .

وأما سعة الرحمة وإفاضة النعمة فمن المعلوم أنه من مقتضيات الألوهية ولوازم صفة الربوبية فما من موجود مخلوق إلا ووجوده نعمة لنفسه ولكثير ممن دونه لارتباط أجزاء الخلقة ، وكل ما عنده من خير أو شر نعمة إما لنفسه ولغيره كالقوة والثروة وغيرهما التي يستفيد منها الإنسان وغيره ، وإما لغيره إذا كان نقمة بالنسبة إليه كالعاهات والآفات والبلايا يستضر بها شيء وينتفع أشياء وعلى هذا فالرحمة الإلهية واسعة كل شيء فعلا لا شأنا ، ولا يختص بمؤمن ولا كافر ولا ذي شعور ولا غيره ولا دنيا ولا آخرة ، والمشيئة لازمة لها .

نعم تحقق العذاب والنقمة في بعض الموارد - وهو معنى قياسي - يوجب أن يتحقق هناك رحمة تقابلها وتقاس إليها فإن حرمان البعض من النعمة التي أنعم الله بها على بعض آخر إذا كان عذابا كان ما يجده البعض الآخر رحمة تقابل هذا العذاب ، وكذا نزول ما يتألم به ويؤذى على بعض كالعقوبات الدنيوية والأخروية إذا كان عذابا كان الأمن والسلامة التي يجدها البعض الآخر رحمة بالنسبة إليه وتقابله ، وإن كانت الرحمة المطلقة بالمعنى الذي تقدم بيانه يشملهما جميعا .

فهناك رحمة إلهية عامة يتنعم بها المؤمن والكافر والبر والفاجر وذو الشعور وغير ذي الشعور فيوجدون بها ويرزقون بها في أول وجودهم ثم في مسيرة الوجود ما داموا سالكين سبيل البقاء ، ورحمة إلهية خاصة وهي العطية الهنيئة التي يجود بها الله سبحانه في مقابل الإيمان والعبودية ، وتختص لا محالة بالمؤمنين الصالحين من عباده من حياة طيبة نورانية في الدنيا ، وجنة ورضوان في الآخرة ولا نصيب فيها للكافرين والمجرمين ، ويقابل الرحمة الخاصة عذاب وهو اللاملائم الذي يصيب الكافرين والمجرمين من جهة كفرهم وجرمهم في الدنيا كعذاب الاستئصال والمعيشة الضنك وفي الآخرة من النار وآلامها ، ولا يقابل الرحمة العامة شيء من العذاب إذ كل ما يصدق عليه اسم شيء فهو من مصاديق الرحمة العامة لنفسه أو لغيره ، وكونه رحمة هي المقصودة في الخلقة ، وليس وراء الشيء شيء .

إذا تحقق هذا تبين أن قوله تعالى : ﴿عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء﴾ بيان لخصوص العذاب وعموم الرحمة ، وإنما قابل بين العذاب والرحمة العامة مع عدم تقابلهما لأن ذكر الرحمة العامة توطئة وتمهيد لما سيذكره من صيرورتها رحمة خاصة في حق المتقين من المؤمنين .

وقد اتضح بما تقدم أن سعة الرحمة ليست سعة شأنية وأن قوله : ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾ ليس مقيدا بالمشيئة المقدرة بل من لوازم سعة الرحمة الفعلية كما تقدم ، وذلك لأن الظاهر من الآية أن المراد بالرحمة الرحمة العامة وهي تسع كل شيء بالفعل وقد شاء الله ذلك فلزمتها فلا محل لتقدير ﴿إن شئت﴾ خلافا لظاهر كلام جمع من المفسرين .

قوله تعالى : ﴿فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون﴾ تفريع على قوله : ﴿عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي﴾ الآية أي لازم وجوب إصابة العذاب بعض الناس وسعة الرحمة لكل شيء أن أوجب الرحمة على البعض الباقي ، وهم الذين يتقون ويؤتون الزكاة الآية .

وقد ذكر سبحانه الذين تنالهم الرحمة بأوصاف عامة وهي التقوى وإيتاء الزكاة والإيمان بآيات الله من غير أن يقيدهم بما يخص قومه كقولنا : للذين يتقون منكم ونحو ذلك لأن ذلك مقتضى عموم البيان في قوله : ﴿عذابي أصيب به من أشاء﴾ الآية والبيان العام ينتج نتيجة عامة .

وإذا قوبلت مسألة موسى بالآية كانت الآية بمنزلة المقيدة لها فإنه (عليه السلام) سأل الحسنة والرحمة لقومه ثم عللها بقوله : ﴿إنا هدنا إليك﴾ فكان معنى ذلك مسألة الرحمة لكل من هاد ورجع منهم بأن يكتب الله حسنة الدنيا والآخرة لمجرد هودهم وعودهم إليه فكان فيما أجابه الله به أنه سيكتب رحمته للذين آمنوا واتقوا فكأنه قال : اكتب رحمتك لمن هاد إليك منا ، فأجابه الله أن سأكتب رحمتي لمن هاد واتقى وآمن بآياتي فكان في ذلك تقييد لمسألته .

ولا ضير في ذلك فإنه سبحانه هو الهادي لأنبيائه ورسله المعلم لهم يعلم كليمه أن يقيد مسألته بالتقوى وهو الورع عن محارمه وبالإيمان بآياته وهو التسليم لأنبيائه وللأحكام النازلة إليهم ، ولا يطلق الهود وهو الرجوع إلى الله بالإيمان به ، فهذا تصرف في دعاء موسى بتقييده كما تصرف تعالى في دعاء إبراهيم بالتقييد في قوله : ﴿قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين﴾ البقرة : 124 ، وبالتعميم والإطلاق في قوله فيما يحكي من دعائه لأهل مكة : ﴿وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير﴾ البقرة : 126 ، فقد تبين أولا أن الآية تتضمن استجابته تعالى لدعاء موسى : ﴿واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة﴾ بتقييد ما له فمن العجيب ما ذكره بعضهم : أن الآية بسياقها تدل على أن الله سبحانه رد دعوة موسى ولم يستجبها ، وكذا قول بعضهم : إن موسى (عليه السلام) دعا لقومه فاستجابه الله في حق أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بناء على بيانية قوله : ﴿الذين يتبعون الرسول﴾ الآية لقوله : ﴿للذين يتقون﴾ الآية وسيجيء .

وثانيا : أنه تعالى استجاب ما اشتمل عليه الفصل الأول من دعائه فإنه تعالى لم يرده ، وحاشا أن يحكي الله في كلامه دعاء لاغيا غير مستجاب ، وقوله : ﴿فسأكتبها للذين﴾ الآية فإنه يحاذي ما سأله (عليه السلام) من الحسنة المستمرة الباقية في الدنيا والآخرة لقومه ، وأما طلب المغفرة لذنب دفعي صدر عنهم بقولهم : ﴿أرنا الله جهرة﴾ فلا يحاذيه قوله : ﴿فسأكتبها﴾ الآية بوجه ، فسكوته تعالى عن رد دعوته دليل إجابتها كما في سائر الموارد التي تشابهه في القرآن .

ويلوح إلى استجابة دعوته لهم بالمغفرة قوله في القصة في موضع آخر : ﴿ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون﴾ البقرة : 56 فمن البعيد المستبعد أن يحييهم الله بعد إهلاكهم ولم يغفر لهم ذنبهم الذي أهلكوا به وعلى أي حال معنى الآية : ﴿فسأكتبها﴾ أي سأكتب رحمتي وأقضيها وأوجبها استعيرت الكتابة للإيجاب لأن الكتابة أثبت وأحكم ﴿للذين يتقون﴾ ويجتنبون المعاصي وترك الواجبات ﴿ويؤتون الزكاة﴾ وهي الحق المالي أو مطلق الإنفاق في سبيل الله الذي ينمو به المال ، ويصلح به مفاسد الاجتماع ، ويتم به نواقصه ، وربما قيل : إن المراد بها زكاة النفس وطهارتها ، وإيتاء الزكاة إصلاح أخلاق النفس .

وليس بشيء .

﴿والذين هم بآياتنا يؤمنون﴾ أي يسلمون لما جاءتهم من عند الله من الآيات والعلامات سواء كانت آيات معجزة كمعجزات موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وعليهم ، أو أحكاما سماوية كشرائع موسى وأوامره وشرائع غيره من الأنبياء ، أو الأنبياء أنفسهم أو علامات صدق الأنبياء كعلائم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) التي ذكرها الله تعالى لهم في كتاب موسى وعيسى (عليهما السلام) فكل ذلك آيات له تعالى يجب عليهم وعلى غيرهم أن يؤمنوا بها ويسلموا لها ، ولا يكذبوا بها .

وفي الآية التفات من سياق التكلم مع الغير إلى الغيبة فإنه قال أولا : ﴿واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا﴾ .

ثم قال : ﴿قال عذابي أصيب به﴾ الآية وكان النكتة فيه إظهار ما له سبحانه من العناية الخاصة باستجابة دعاء الداعين من عباده فيقبل عليهم هو تعالى من غير أن يشاركه فيه غيره ولو بالتوسط فإن التكلم بلفظ المتكلم مع الغير لإظهار العظمة لمكان أن العظماء يتكلمون عنهم وعن أتباعهم فإذا أريد إظهار عناية خاصة بالمخاطب أو بالخطاب تكلم بلفظ المتكلم وحده .

وعلى هذا جرى كلامه تعالى فاختار سياق المتكلم وحده المناسب لمعنى المناجاة والمسارة فيما حكى من أدعية أنبيائه وأوليائه واستجابته لهم في كلامه كأدعية نوح وإبراهيم ودعاء موسى ليلة الطور ، وأدعية سائر الصالحين واستجابته لهم ، ولم يعدل عن سياق المتكلم وحده إلا لنكتة زائدة .

وأما قوله : ﴿والذين هم بآياتنا يؤمنون﴾ وما فيه من العدول من التكلم وحده - السياق السابق - إلى التكلم مع الغير فالظاهر أن النكتة فيه إيجاد الاتصال بين هذه الآية والآية التالية التي هي نوع من البيان لهذه الجملة أعني قوله : ﴿والذين هم بآياتنا يؤمنون﴾ فإن الآية التالية - كما سيجيء - بمنزلة المعترضة من النتيجة المأخوذة في ضمن الكلام الجاري ، وسياقها سياق خارج عن سياق هذه القطعة المتعرضة للمشافهة والمناجاة بين موسى وبينه تعالى راجع إلى السياق الأصلي السابق الذي هو سياق المتكلم مع الغير .

فبتبديل ﴿والذين هم بآياتي يؤمنون﴾ إلى قوله : ﴿والذين هم بآياتنا يؤمنون﴾ يتصل الآية التالية بسابقتها في السياق بنحو لطيف فافهم ذلك وتدبر فيه فإنه من أعجب السياقات القرآنية .

قوله تعالى : ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل - إلى قوله - كانت عليهم﴾ .

قال الراغب في المفردات ، : الإصر عقد الشيء وحبسه بقهره يقال : أصرته فهو مأصور ، والمأصر والمأصر - بفتح الصاد وكسرها - محبس السفينة ، قال تعالى : ويضع عنهم إصرهم أي الأمور التي تثبطهم وتقيدهم عن الخيرات ، وعن الوصول إلى الثوابات ، وعلى ذلك : ولا تحمل علينا إصرا ، وقيل ثقلا وتحقيقه ما ذكرت .

والأغلال جمع غل وهو ما يقيد به .

وقوله : ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي﴾ الآية بحسب ظاهر السياق بيان لقوله : ﴿والذين هم بآياتنا يؤمنون﴾ ويؤيده ما هو ظاهر الآية أن كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) رسولا نبيا أميا ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم كل ذلك من أمارات النبوة الخاتمية وآياتها المذكورة لهم في التوراة والإنجيل فمن الإيمان بآيات الله الذي شرطه الله تعالى لهم في كلامه : أن يؤمنوا بالآيات المذكورة لهم أمارات لنبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) .

غير أن من المسلم الذي لا مرية فيه أن الرحمة التي وعد الله كتابته لليهود بشرط التقوى والإيمان بآيات الله ليست بحيث تختص بالذين آمنوا منهم بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويحرم عنها صالحو بني إسرائيل من لدن أجاب الله دعوة موسى (عليه السلام) إلى أن بعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) فآمن به شرذمة قليلة من اليهود ، فإن ذلك مما لا ينبغي توهمه أصلا .

فبين موسى وعيسى (عليهما السلام) ، وكذا بعد عيسى (عليه السلام) ممن آمن به من بني إسرائيل جم غفير من المؤمنين الذين آمنوا بالدعوة الإلهية فقبل الله منهم إيمانهم ووعدهم بالخير ، والكلام الإلهي بذلك ناطق فكيف يمكن أن تقصر الرحمة الإلهية المبسوطة على بني إسرائيل في جماعة قليلة منهم آمنوا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ .

فقوله : ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي﴾ الآية وإن كان بيانا لقوله : ﴿والذين هم بآياتنا يؤمنون﴾ إلا أنه ليس بيانا مساويا في السعة والضيق لمبينه بل بيان مستخرج من مبينه انتزع منه ، وخص بالذكر ليستفاد منه فيما هو الغرض من سوق الكلام ، وهو بيان حقيقة الدعوة المحمدية ، ولزوم إجابتهم لها وتلبيتهم لداعيها .

ولذلك في القرآن الكريم نظائر من حيث التضييق والتوسعة في البيان كما قال تعالى حاكيا عن إبليس :﴿فبعزتك لأغوينهم أجمعين﴾ الآية ثم قال في موضع آخر حاكيا عنه : ﴿لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا لأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله﴾ النساء : 119 فإن القول الثاني المحكي عن إبليس مستخرج من عموم قوله المحكي أولا : ﴿لأغوينهم أجمعين﴾ .

وقال تعالى في أول هذه السورة : ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم - إلى أن قال - يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم﴾ الآية وقد تقدم أن ذلك من قبيل استخراج الخطاب من الخطاب لغرض التعميم إلى غير ذلك من النظائر .

فيئول معنى بيانية قوله : ﴿الذين يتبعون الرسول﴾ إلى استخراج بيان من بيان للتطبيق على مورد الحاجة كأنه قيل : فإذا كان المكتوب من رحمة الله لبني إسرائيل قد كتب للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون فمصداقه اليوم - يوم بعث محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) - هم الذين يتبعونه من بني إسرائيل لأنهم الذين اتقوا وآتوا الزكاة وهم الذين آمنوا بآياتنا فإنهم آمنوا بموسى وعيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم آياتنا ، وآمنوا بمعجزات هؤلاء الرسل وما نزل عليهم من الشرائع والأحكام وهي آياتنا ، وآمنوا بما ذكرنا لهم في التوراة والإنجيل من أمارات نبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلامات ظهوره ودعوته ، وهي آياتنا .

ثم قوله : ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي﴾ الآية أخذ فيه ﴿يتبعون﴾ موضع يؤمنون ، وهو من أحسن التعبير لأن الإيمان بآيات الله سبحانه كأنبيائه وشرائعهم إنما هو بالتسليم والطاعة فاختير لفظ الاتباع للدلالة على أن الإيمان بمعنى الاعتقاد المجرد لا يغني شيئا فإن ترك التسليم والطاعة عملا تكذيب بآيات الله وإن كان هناك اعتقاد بأنه حق .

وذكره (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه الأوصاف الثلاث : الرسول النبي الأمي ، ولم يجتمع له في موضع من كلامه تعالى إلا في هذه الآية والآية التالية ، مع قوله تعالى بعده : ﴿الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل﴾ تدل على أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مذكورا فيهما معرفا بهذه الأوصاف الثلاث .

ولو لا أن الغرض من توصيفه بهذه الثلاث هو تعريفه بما كانوا يعرفونه به من النعوت المذكورة له في كتابيهم لما كانت لذكر الثلاث : (الرسول النبي الأمي) وخاصة الصفة الثالثة نكتة ظاهرة .

وكذلك ظاهر الآية يدل أو يشعر بأن قوله : يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر إلى آخر الأمور الخمسة التي وصفه (صلى الله عليه وآله وسلم) بها في الآية من علائمه المذكورة في الكتابين ، وهي مع ذلك من مختصات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وملته البيضاء فإن الأمم الصالحة وإن كانوا يقومون بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما ذكره تعالى من أهل الكتاب في قوله : ﴿ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة - إلى أن قال - ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين﴾ آل عمران 114 .

وكذلك تحليل الطيبات وتحريم الخبائث في الجملة من الجملة الفطريات التي أجمع عليها الأديان الإلهية ، وقد قال تعالى : ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ الأعراف : 32 .

وكذلك وضع الإصر والأغلال وإن كان مما يوجد في الجملة في شريعة عيسى (عليه السلام) كما يدل عليه قوله فيما حكى الله عنه في القرآن الكريم : ﴿ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم﴾ آل عمران : 50 ويشعر به قوله خطابا لبني إسرائيل : ﴿قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه﴾ الزخرف 63 .

إلا أنه لا يرتاب ذو ريب في أن الدين الذي جاء به محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بكتاب من عند الله مصدق لما بين يديه من الكتب السماوية - وهو دين الإسلام - هو الدين الوحيد الذي نفخ في جثمان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كل ما يسعه من روح الحياة ، وبلغ به من حد الدعوة الخالية إلى درجة الجهاد في سبيل الله بالأموال والنفوس ، وهو الدين الوحيد الذي أحصى جميع ما يتعلق به حياة الإنسان من الشئون والأعمال ثم قسمها إلى طيبات فأحلها ، وإلى خبائث فحرمها ، ولا يعادله في تفصيل القوانين المشرعة أي شريعة دينية وقانون اجتماعي ، وهو الدين الذي نسخ جميع الأحكام الشاقة الموضوعة على أهل الكتاب واليهود خاصة ، وما تكلفها علماؤهم ، وابتدعها أحبارهم ورهبانهم من الأحكام المبتدعة .

فقد اختص الإسلام بكمال هذه الأمور الخمسة وإن كانت توجد في غيره نماذج من ذلك .

على أن كمال هذه الأمور الخمسة في هذه الملة البيضاء أصدق شاهد وأبين بينة على صدق الناهض بدعوتها (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولو لم تكن تذكر أمارات له في الكتابين فإن شريعته كمال شريعة الكليم والمسيح (عليه السلام) وهل يطلب من شريعة حقة إلا عرفانها المعروف وإنكارها المنكر ، وتحليلها الطيبات ، وتحريمها الخبائث ، وإلغاؤها كل إصر وغل؟ وهي تفاصيل الحق الذي يدعو إليه الشرائع الإلهية فليعترف أهل التوراة والإنجيل أن الشريعة التي تتضمن كمال هذه الأمور بتفاصيلها هي عين شريعتهم في مرحلة كاملة .

وبهذا البيان يظهر أن قوله تعالى : ﴿يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر﴾ الآية يفيد بمجموعه معنى تصديقه لما في كتابيهم من شرائع الله تعالى كأنه قيل مصدقا لما بين يديه كما في قوله تعالى : ﴿ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون﴾ البقرة 101 وقوله : ﴿و لما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين﴾ البقرة : 89 يريد مجيء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بكمال ما في كتابهم من الشريعة مصدقا له ثم كفرهم به وهم يعلمون أنه المذكور في كتبهم المبشر به بلسان أنبيائهم كما حكى سبحانه عن المسيح في قوله : ﴿يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ الصف : 6 .

وسنبحث عن بشاراته (عليه السلام) الواقعة في كتبهم المقدسة بما تيسر من البحث إن شاء الله العزيز .

غير أنه تعالى لم يقل : مصدقا لما بين يديه بدل قوله : ﴿يأمرهم بالمعروف﴾ الآية لأن وجه الكلام إلى جميع الناس دون أهل الكتاب خاصة ، ولذا أمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) في الآية التالية بقوله : ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا﴾ ولم يقيد الكلام في قوله : ﴿فالذين آمنوا به﴾ إلخ بما يختص به بأهل الكتاب .

قوله تعالى : ﴿فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور﴾ إلى آخر الآية التعزير النصرة مع التعظيم ، والمراد بالنور النازل معه القرآن الكريم ذكر بنعت النورية ليدل به على أنه ينير طريق الحياة ، ويضيء الصراط الذي يسلكه الإنسان إلى موقف السعادة والكمال ، والكلام في هذا الشأن .

وفي قوله تعالى : ﴿أنزل معه﴾ ولم يقل : أنزل عليه أو أنزل إليه و﴿مع﴾ تدل على المصاحبة والمقارنة تلويح إلى معنى الأمارة والشهادة التي ذكرناها كأنه قيل : واتبعوا النور الذي أنزل عليه وهو بما يحتوي عليه من كمال الشرائع السابقة ، ويظهره بالإضاءة شاهد على صدقه ، وأمارة أنه هو الذي وعد به أنبياؤهم ، وذكر لهم في كتبهم فقوله : ﴿معه﴾ حال من نائب فاعل ﴿أنزل﴾ .

وقد وقع نظيره في قوله تعالى : ﴿فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ البقرة : 213 .

وقد اختلف المفسرون في توجيه هذه المعية ومعناها : فقيل : إن الظرف - معه - متعلق بأنزل ، والكلام على حذف مضاف أي مع نبوته أو إرساله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنه لم ينزل معه ، وإنما أنزل مع جبرئيل ، وقيل : متعلق ب ﴿اتبعوا﴾ والمعنى شاركوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في اتباعه ، أو المعنى اتبعوا القرآن مع اتباعهم له وقيل : حال عن فاعل اتبعوا ، والمعنى اتبعوا القرآن مصاحبين للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في اتباعه ، وقيل : ﴿مع﴾ هنا بمعنى على ، وقيل : بمعنى عند ، ولا يخفى بعد الجميع .

وقوله : ﴿فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور﴾ الآية بمنزلة التفسير لقوله في صدر الآية : ﴿الذين يتبعون الرسول﴾ وأن المراد باتباعه حقيقة اتباع كتاب الله المشتمل على شرائعه ، وأن الذي له (عليه السلام) من معنى الاتباع هو الإيمان بنبوته ورسالته من غير تكذيب به ، واحترامه بالتسليم له ونصرته فيما عزم عليه من سيرته .

والكلام أعني قوله : ﴿فالذين آمنوا به﴾ الآية نتيجة متفرعة على قوله في صدر الآية : ﴿الذين يتبعون الرسول﴾ الآية بناء على ما قدمناه من أنه بيان خاص مستخرج من قوله : ﴿والذين هم بآياتنا يؤمنون﴾ الذي هو بيان عام ، والمعنى إذا كان اتباع الرسول بهذه الأوصاف والنعوت هو من الإيمان بآياتنا الذي شرطناه على بني إسرائيل في قبول دعوة موسى لهم ببسط الرحمة في الدنيا والآخرة وفيه الفلاح بكتابة الحسنة في الدنيا والآخرة فالذين آمنوا به - إلى آخر ما شرط الله - أولئك هم المفلحون .

_____________________________

1. تفسير الميزان ، ج8 ، ص ٢٦٩ - ٢٨٣ .

تفسير الأمثل
- ذكر الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذه الآيات (1) :  

 

قال تعالى : {وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ *  وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف : 155-156] .

 

مندوبو بني إسرائيل في الميقات :

في الآيتين الحاضرتين يعود القرآن الكريم مرّة أخرى إلى قصة ذهاب موسى إلى الميقات «الطور» في صحبة جماعة ، ويقص قسما آخر من تلك الحادثة .

هذا وقد وقع بين المفسّرين كلام في أنّه هل كان لموسى عليه السلام ميقات واحد مع ربّه ، أو أكثر من ميقات واحد؟ وقد أقام كل واحد منهم شواهد لإثبات مقصوده من القرآن الكريم ، ولكنّه كما قلنا سابقا ـ في ذيل الآية (142) من هذه السورة ـ أنّه يظهر من مجموع القرائن في القرآن الكريم والرّوايات أن موسى عليه السلام كان له ميقات واحد ، وذلك برفقة جماعة من بني إسرائيل.

وفي هذا الميقات بالذات أنزل الله الألواح على موسى وكلمه عليه السلام ، وفي نفس هذا الميقات اقترح بنو إسرائيل على موسى عليه السلام أن يطلب من الله أن يريهم نفسه جهرة. في هذا الوقت نفسه نزلت الصاعقة أو حدث الزلزال وغشي على موسى عليه السلام وسقط بنو إسرائيل على الأرض مغشيا عليهم ، وقد ورد هذا الموضوع في حديث مرويّ عن علي بن إبراهيم في تفسيره .

إنّ كيفية وضع آيات هذه السورة وإن كان يحدث ـ في بادئ النظر ـ إشكالا ، وهو : كيف أشار الله تعالى أولا إلى ميقات موسى عليه السلام ثمّ ذكر قصّة عبادة العجل ، ثمّ عاد مرّة أخرى إلى مسألة الميقات؟

هل هذا النظم وهذا الطراز من الكلام يناسب الفصاحة والبلاغة التي يتسم بها القرآن الكريم؟

ولكن مع الالتفات إلى أنّ القرآن ليس كتاب تأريخ يسجل الحوادث حسب تسلسلها ، بل هو كتاب هداية وتربية وبناء إنساني ، وفي مثل هذا الكتاب توجب أهمية الموضوع أن يترك متابعة حادثة مؤقتا ، ويعمد إلى بحث ضروري آخر ، ثمّ يعود مرّة أخرى لنفس الحادثة الأولى.

بناء على هذا لا توجد أية ضرورة إلى أن نعتبر الآية المذكورة هنا إشارة إلى بقية قصة عبادة العجل ، ونقول : إنّ موسى عليه السلام ذهب مرّة أخرى بصحبة بني إسرائيل إلى جبل الطور بعد قضية عبادة العجل للاعتذار إلى الله والتوبة ، كما قال بعض المفسّرين ، لأنّ هذا الاحتمال بغض النظر عن جهات أخرى يبدو بعيدا في النظر من جهة أنّه آل إلى هلاك جماعة ذهبت إلى الميقات للاعتذار والتوبة ، فهل من الممكن أن يهلك الله تعالى جماعة أتوا إلى الميقات للاعتذار إلى الله بالنيابة عن قومهم ؟!

وعلى كل حال ، فقد قال القرآن الكريم في الآيتين الحاضرتين أوّلا : {وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا} .

ولكن بني إسرائيل حيث إنّهم سمعوا كلام الله طلبوا من موسى عليه السلام أن يطلب من الله تعالى أن يريهم نفسه ـ لبني إسرائيل ـ جهرة ، وفي هذا الوقت بالذات أخذهم زلزال عظيم وهلك الجماعة ، ووقع موسى عليه السلام على الأرض مغشيا عليه ، وعند ما أفاق قال : ربّاه لو شئت لأهلكتنا جميعا ، يعني بماذا أجيب قومي لو هلك هؤلاء {فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ}.

ثمّ قال : ربّاه إنّ هذا المطلب التافة إنّما هو فعل جماعة من السفهاء ، فلا تؤاخذنا بفعلهم : {أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا

ولقد اعتبر بعض المفسّرين ـ وجود كلمة «الرجفة» في هذه الآية ، وكلمة «الصاعقة» في الآية (55) من سورة البقرة المتعلقة بطلب رؤية الله جهرة ـ دليلا على التفاوت بين الميقاتين. ولكن ـ كما قلنا سابقا ـ إن الصاعقة في كثير من الأوقات ترافق الرجفة الشديدة ، لأنّه على أثر التصادم بين الشحنات الكهربائية الموجبة في السحب والسالبة في الأرض تبرق شرارة عظيمة تهزّ الجبال والأراضي بشدّة ، وربّما تحطمها وتبعثرها كما جاء في قصّة البلاء الذي نزل على قوم صالح العصاة ، حيث يعبر فيه عنه بالصاعقة تارة (سورة فصلت الآية 17) وتارة بالرجفة (سورة الأعراف الآية 78) .

وقد استدل بعض المفسّرين بعبارة {بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا} على أنّ العقوبة هنا كانت لأجل الفعل الذي صدر من بني إسرائيل (مثل عبادة العجل) لا لأجل الكلام الذي قالوه في مجال طلب رؤية الله جهرة .

والجواب على هذا الكلام واضح أيضا ، لأنّ الكلام فعل من أفعال الإنسان أيضا ، وإطلاق «الفعل» على «الكلام» ليس أمرا جديدا وغير متعارف ، مثلا عند ما نقول : إنّ الله يثيبنا يوم القيامة على أعمالنا ، فإنّ من المسلّم أنّ لفظة أعمالنا تشمل كلماتنا أيضا .

ثمّ إنّ موسى عليه السلام قال في عقيب هذا التضرع والطلب من الله : ربّاه إنّي أعلم أن هذا كان اختبارك وامتحانك ، فأنت تضلّ من تشاء (وكان مستحقا لذلك) وتهدي من تشاء (وكان لائقا لذلك) (إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ} واختبارك.

وهنا أيضا تكلّم المفسّرون في معنى «الفتنة» كثيرا وذهبوا مذاهب شتى ، ولكن بالنظر إلى أن لفظة «الفتنة» جاءت في القرآن الكريم بمعنى الاختبار والامتحان مرارا كما في الآية (28) من سورة الأنفال : {أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} وكذا في الآية (2) من سورة العنكبوت ، والآية (126) من سورة التوبة) لا يكون مفهوم الآية الحاضرة غامضا. لأنّه لا شك في أن بني إسرائيل واجهوا في هذا المشهد اختبارا شديدا ، فأراهم الله تعالى أن هذا الطلب (طلب رؤية الله) طلب تافة ومستحيل الوقوع.

وفي ختام الآية يقول موسى عليه السلام : رباه : {أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ}.

من مجموع الآيات والرّوايات يستفاد أنّ الهالكين قد استعادوا حياتهم في المآل وعادوا برفقة موسى عليه السلام إلى بني إسرائيل ، وقصّوا عليهم كلّ ما سمعوه وشاهدوه ، وأخذوا في إرشاد الغافلين الجاهلين وهدايتهم.

وفي الآية اللاحقة يشير إلى طلب موسى عليه السلام من ربّه وتكميل مسألة التوبة التي ذكرت في الآيات السابقة ، يقول موسى : {وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ} .

و «الحسنة» تعني كل خير وجمال ، وعلى هذا الأساس تشمل جميع النعم ، وكذا التوفيق للعمل الصالح ، والمغفرة ، والجنّة ، وكل نوع من أنواع السعادة ، ولا دليل على حصرها بنوع خاص من هذه المواهب ، كما ذهب إليه بعض المفسّرين.

ثمّ يبيّن القرآن الكريم دليل هذا الطلب هكذا : {إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ} أي عدنا إليك واعتذرنا عمّا فعله سفهاؤنا ، حيث طلبوا ما لا يليق بمقام عظمتك.

و «هدنا» مشتقة من مادة «هود» بمعنى العودة المقترنة بالرفق والهدوء ، وكما قال بعض اللغويين : تشمل العودة من الخير إلى الشر أيضا ، وكذا من الشر إلى الخير (2) ، ولكن جاءت في كثير من الموارد بمعنى التوبة والعودة إلى طاعة الله .

يقول الراغب في «المفردات» نقلا عن بعض : «يهود في الأصل من قولهم : هدنا إليك ، وكان اسم مدح ، ثمّ صار بعد نسخ شريعتهم لازما لهم ، وإن لم يكن فيه معنى المدح».

ولكن بما أن بعض اللغويين ذكر أن معنى هذه اللفظة هو الرجوع من الشر إلى الخير ، أو من الخير إلى الشر ، يمكن القول بأن هذه الكلمة ليست متضمنة للمدح بحال ، بل هي حاكية عن الاضطراب الروحي والقلق الأخلاقي الذي كانت تعاني منه تلك الجماعة.

وقال بعض آخر من المفسّرين أنّ علّة تسمية هؤلاء القوم بـ «اليهود» لا يرتبط مطلقا بهذه اللفظة ، بل لفظة يهود متخذة أصلا من مادة «يهوذا» الذي هو اسم لأحد أبناء يعقوب عليه السلام ثمّ تبدلت الذال إلى الدال ، وصارت يهودا ، فيطلق على المنسوب إليه يهودي (3) .

ولقد أجاب الله ـ في النهاية ـ دعاء موسى عليه السلام وقبل توبته ، ولكن لا بصورة مطلقة ، بل جاء ذلك في ختام الآية مشروطا بشروط ، إذ يقول : {قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ} وكان مستحقا .

وقد قلنا مرارا ، إنّ «المشيئة» في هذه الموارد ، بل في جميع الموارد ، ليس بمعنى الإرادة المطلقة ومن غير قيد أو شرط ، بل هي إرادة مقترنة بالحكمة والصلاحيات واللياقات ، وبهذا يتّضح الجواب على كل إشكال في هذا الصعيد .

ثمّ يضيف تعالى قائلا {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} .

إنّ هذه الرحمة الواسعة يمكن أن تكون إشارة إلى النعم والمواهب الدنيوية التي تشمل الجميع ويستفيد منها الكل ، برا وفاجرا ، صالحا وطالحا.

كما يمكن أن تكون إشارة إلى أنواع الرحمة المادية والمعنوية ، لأنّ النعم المعنوية لا تختص بقوم دون قوم ، وإن كان لها شرائط تتوفر لدى الجميع .

وبعبارة أخرى : إن أبواب الرحمة الإلهية مفتوحة للجميع ، وإنّ الناس هم الذين عليهم أن يقرروا دخول هذه الأبواب فلو لم تتوفر شرائط الورود في بعض الناس فإنّ ذلك دليل على تقصيرهم هم ، لا محدودية الرحمة الإلهية (والتّفسير الثّاني أنسب مع مفهوم الآية والجملة التي ستأتي) .

ولكن حتى لا يظن أحد أنّ قبول التوبة ، أو سعة الرحمة الإلهية وشموليتها ، غير مقيدة وغير مشروطة ، ومن دون حساب أو كتاب ، يضيف في ختام الآية : سرعان ما أكتب رحمتي للّذين تتوفر فيهم ثلاثة أمور : اتقوا ، وآتوا الزكاة ، وآمنوا بآياتي {فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ} و «التقوى» إشارة إلى اجتناب كل معصية وإثم .

و «الزكاة» مرادة هنا بمعناها الواسع ، وحسب الحديث المعروف «لكل شيء زكاة» يشمل جميع الأعمال الصالحة والطيبة .

وجملة {وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ} تشمل الإيمان بالمقدسات .

وبهذه الطريقة تتضمّن الآية برنامجا كاملا وجامعا.

وإذا فسرنا الزكاة بمعنى خاص (أي المعنى المتعارف والمصطلح للزكاة) كان ذكرها من بين سائر الوظائف الإلهية ، لأجل أهميتها في صعيد العدالة الاجتماعية.

وقد روي في حديث عن النّبي صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله ‌وسلم أنّه قام في الصلاة فقال أعرابي وهو في الصلاة : اللهم ارحمني ومحمّدا ولا ترحم معنا أحدا ، فلمّا سلّم رسول الله صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله ‌وسلم قال للأعرابي : لقد تحجرت واسعا ، أي جعلت شيئا واسعا ، أمرا ضيقا محدودا فالرحمة الإلهية لا تنحصر في أحد من الناس (4) .

* * *

 

- {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف : 157] .

 

اتبعوا هذا النّبي :

هذه الآية في الحقيقة تكمل الآية السابقة التي تحدثت عن صفات الذين تشملهم الرحمة الإلهية الواسعة ، أي من تتوفر فيهم الصفات الثلاث : التقوى ، وأداء الزكاة ، والإيمان بآيات الله. وفي هذه الآية يذكر صفات أخرى لهم من باب التوضيح ، وهي اتّباع الرّسول الأعظم صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله ‌وسلم ، لأنّ الإيمان بالله غير قابل للفصل عن الإيمان بالنّبي صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله ‌وسلم واتباع دينه ، وهكذا التقوى والزكاة لا يتمان ولا يكملان من دون اتباع القيادة .

لهذا يقول تعالى : {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ} .

ثمّ يبيّن ست صفات لهذا الرّسول مضافا إلى مقام الرسالة :

1 ـ أنّه نبيّ الله {النَّبِيَ} .

والنّبي يطلق على كل من يبيّن رسالة الله إلى الناس ، ويوحى إليه وإن لم يكن مكلّفا بالدعوة والتبليغ ، ولكن الرّسول مضافا إلى كونه نبيّا ـ مكلّف بالدعوة إلى دين الله ، وتبليغه والاستقامة في هذا السبيل .

وعلى هذا يكون مقام الرسالة أعلى من مقام النّبوة ، وبناء على هذا يكون معنى النّبوة مأخوذا في مفهوم الرسالة أيضا ، ولكن حيث أنّ الآية بصدد توضيح وتفصيل خصوصيات النّبي صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله ‌وسلم لهذا ذكرهما على نحو الاستقلال ، وفي الحقيقة إنّ ما أخذ في مفهوم الرّسول مجملا ، ذكر في الآية بصورة مستقلة من باب توضيح وتحليل صفاته .

2ـ أنّه نبيّ أمّي لم يتعلم القراءة والكتابة ، وقد نهض من بين جماهير الناس من أرض مكّة أم القرى قاعدة التوحيد الأصلية : (الأمي) .

وحول مفهوم «الأميّ» المشتقة من مادة «أمّ» بمعنى الوالدة ، أو من «الأمّة» بمعنى الجماعة ، دار كلام كثير بين المفسّرين ، فبعض فسّره بأنّه لم يتعلم ولم يدرس ، يعني أنّه باق على الحالة التي ولد بها من أمّه أوّل يوم ، ولم يتتلمذ على أحد ، وبعض فسّره بمن نهض من بين جماهير الأمّة ، لا من بين طبقة الأعيان والمترفين والجبارين ، وفسّرته جماعة ثالثة بأنّه ظهر من مكّة «أمّ القرى» لأنّ هذه الكلمة مرادفة لـ «المكي».

والأحاديث الإسلامية الواردة في مصادر مختلفة هي أيضا تفسّر هذه الكلمة تارة بأنّه : لم يدرس وأخرى : بأنّه مكّي (5) .

ولكن لا مانع أبدا من أن تكون كلمة «الأمّي» إشارة إلى كل المفاهيم والمعاني الثلاثة ، وقد قلنا مرارا : إنّه لا مانع من استعمال لفظة واحدة في عدة معان ، ولهذا الموضوع شواهد كثيرة في الأدب العربي. (وسنبحث بتفصيل حول أميّة النّبي صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله ‌وسلم بعد الفراغ من تفسير هذه الآية) .

3 ـ ثمّ إنّ هذا النّبي هو {الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ} .

وفي صعيد وجود البشارات المختلفة في كتب العهدين (التوراة والإنجيل) حتى التوراة والإنجيل المحرفين الحاضرين أيضا ، سيكون لنا بحث تفصيلي بعد الفراغ من تفسير هذه الآية .

4 ـ ومن سمات هذا النّبي أنّ دعوته تتطابق لنداء العقل مطابقة كاملة ، فهو يدعو إلى كل الخيرات وينهي عن كل الشرور والممنوعات العقلية : {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ} .

5 ـ كما أنّ محتوى دعوته منسجم مع الفطرة الإنسانية السليمة ، فهو يحل ما ترغب فيه الطباع السليمة ويحرم ما تنفر منه {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ}.

6 ـ أنّه ليس كأدعياء النّبوة والرسالة الذين يهدفون إلى توثيق الناس بأغلال الاستعمار والاستثمار والاستغلال ، بل هو على العكس من ذلك ، إنّه يرفع عنهم إصرهم والأغلال التي تكبّل عقولهم وأفكارهم وتثقل كاهلهم {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ} (6) .

وحيث أنّ هذه الصفات الست بالإضافة إلى الصفة السابعة وهي مقام الرسالة تشكّل من حيث المجموع علامة واضحة ودليل قاطع على صدق دعواه ، فيضيف القرآن الكريم : {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ ، وَنَصَرُوهُ ، وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.

و «عزروه» المشتقّة من مادة «تعزير» تعني الحماية والنصرة المقترنة بالاحترام والتبجيل ، ويقول البعض إن هذه اللفظة تعني ـ في الأصل ـ المنع ، فإذا كان المنع من العدوّ ، كان مفهومه النصرة ، وإذا كان المنع من الذنب كان مفهومه العقوبة والتنبيه ، ولهذا يقال للعقوبات الخفيفة «تعزير».

والجدير بالانتباه استعمال كلمة {أُنْزِلَ مَعَهُ} بدل «أنزل إليه» في حين أننا نعلم أنّه لم يكن لشخص النّبي صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله ‌وسلم نزول من السماء ، ولكن حيث أن النبوة والرسالة نزلا مع القرآن من جانب الله ، لهذا عبر بـ «أنزل معه» .

 

_________________________

1. تفسير الأمثل ، ج4 ، ص 524-532 .

2. تفسير المنار ، المجلد التاسع ، الصفحة 221 ، وقد نقل هذا المعنى عن ابن الأعرابي .

3. تفسير أبو الفتوح ، المجلد الخامس ، الصفحة 300 ، في تفسير الآية الحاضرة .

4. مجمع البيان في تفسير هذه الآية .

5. للاطلاع على هذه الرّوايات راجع تفسير نور الثقلين ، المجلد الثّاني ، الصفحة 78 و 79 ، وتفسير روح المعاني ، المجلد التّاسع ، الصفحة 70 ، في تفسير الآية الحاضرة .

6. «الإصر» يعني في الأصل عقد الشيء وحبسه ، ويطلق على كل عمل يمنع الإنسان من الفعالية والحركة ، ويطلق على العهد والميثاق أو العقوبات ، لفظ الإصر ، لأنّ هذه الأمور تحدّ من حركة الإنسان .

 

 

 

سؤال وجواب

التاريخ: 24 / أيلول / 2014 م 6592
التاريخ: 8 / تشرين الثاني / 2014 م 10601
التاريخ: 8 / تشرين الثاني / 2014 م 7630
التاريخ: 24 / أيلول / 2014 م 8859
التاريخ: 27 / 11 / 2015 6002
شبهات وردود

التاريخ: 24 / أيلول / 2014 م 4013
التاريخ: 13 / 12 / 2015 3533
التاريخ: 24 / أيلول / 2014 م 3880
التاريخ: 24 / أيلول / 2014 م 3524
هل تعلم

التاريخ: 18 / 5 / 2016 2497
التاريخ: 2 / حزيران / 2015 م 2540
التاريخ: 9 / آيار / 2015 م 2838
التاريخ: 13 / تشرين الثاني / 2014 2612

المرجع الإلكتروني للمعلوماتية هو موقع معلوماتي موسوعي شامل يحتوي على العديد من النوافذ الفكرية العلمية والإنسانية ، وخيارك الأفضل للبحث عن المعلومة الدقيقة المقتبسة من أمهات الكتب بوثاقةٍ وموضوعية .