English
       
جميع الاقسام
القرآن وعلومهُ العقائد الإسلامية الفقه وأصولهُ الرجال والحديث سيرة الرسول وآله علوم اللغة العربية الأدب العربي الأسرة والمجتمع الاخلاق و الادعية التاريخ
المزيد   
التاريخ
عدد المواضيع في القسم ( 3295) موضوعاً
التاريخ والحضارة
اقوام وادي الرافدين
العصور الحجرية
الامبراطوريات والدول القديمة في العراق
العهود الاجنبية القديمة في العراق
احوال العرب قبل الاسلام
التاريخ الاسلامي
السيرة النبوية

التاريخ: 2 / آب / 2015 م 1473
التاريخ: 13 / كانون الاول / 2014 م 1455
التاريخ: 12 / 8 / 2017 999
التاريخ: 19 / كانون الثاني / 2015 2434
مقالات عقائدية

التاريخ: 9 / تشرين الثاني / 2014 م 1976
التاريخ: 26 / أيلول / 2014 م 2157
التاريخ: 28 / أيلول / 2014 م 2128
التاريخ: 17 / 12 / 2015 2041
بين الامام الصادق والرشيد وأزمة ولاية العهد  
  
36   06:32 مساءً   التاريخ: 11 / 6 / 2019
المؤلف : كمال السيد
الكتاب أو المصدر : الطريق الى خراسان
الجزء والصفحة : ص16- 27

مثلما هبّ موسي بن عمران في وجه الفرعون. مثلها هبّ في وجه هامان و قارون؛ هبّ موسي بن جعفر في وجه هارون.. هارون الذي قال جدّه من قبل: إنّما أنا سلطان الله في الارض...انه ظلّ السماء في الارض...انه مشيئة الله وأرادته...

من أجل هذا نهض موسي بأمر الله ليقول لهارون لا.. جاء ليطالب بفدك.. فدك التي كانت يوماً ما بقعة صغيرة فوهبتها السماء الي فاطمة لتكون نحلة لها.. لتكون ارثاً.. ولتكون فيما بعد رمزاً للميراث المغتصب والحق المقهور.. رمزاً لكل الارض الاسلامية.

من أجل هذا نهضت فاطمة بنت محمد...لتطلب حقها في فدك.

ما اصغر فدكاً فوق الارض.. وفي الجغرافيا.. وما  أوسعها في خارطة التاريخ؟!

اهتزت المدينة من اقصاها الي اقصاها فقد جاء موسي يطلب ميراث جدّته البتول... جاء يسترد فدكاً بحدودها العجيبة: من عدن الي سمرقند الي أفريقيا الي سيف البحر مما يلي الجزر وارمينيا...

اشتعل هارون حقداً.. ان موسي يهدد عرشه.. كنوزه.. وقصوره سلطانه ودولته...

وقفت فاطمة بسنيها الستّ تترقب عودة أبيها الذي خرج عند الفجر ولم يعد.. ليست فاطمة وحدها كانت تنتظر عودة الرجل الأسمر الذي يحمل في وجهه طيوف النبوّات.. بل المدينة بأسرها كانت تترقب ما يريد هارون من موسي..

كانت تنظر الي شقيقها علي وقد بدا وجهه سماءً تنوء بغيوم حزينة.. أدركت فاطمة أن أباها سيغيب ولعلّه لن يعود.. ربّما لن تراه ولن تسمع صوته الدافئ.. شعرت فاطمة بالبرد.. بالخوف يملأ أعماقها.. امتلأت عيناها بالدموع حزناً..

ان موجات الحزن أعمق تأثيراً من هزّات الفرح.. إنّما تحفر أماكنها عميقاً في الذاكرة.. ولا شيء أخلد في دنيا الطفولة البريئة من مشاهده اليتم..

لقد فقدت فاطمة امها قبل أن تعي ما حولها من الدنيا وها هي تشهد العاصفة.. عاصفة القدر عندما تنتزع الأيدي الغليظة أباها الرحيم من أهله وبنيه، لتثقله بالقيود والأغلال..

نظرت فاطمة الي اخيها.. خُيّل اليها أنها تري سماءً مثقلة بالغيوم...الله وحده الذي يعرف اغوار الحبّ الذي تتدفق ينابيعه الصافية في قلب فاطمة.. فاطمة التي شهدت بأمّ عينيها عاصفة الزمن المرير..

لقد بدأ زمن الشتات.. زمن التشرّد.. زمن تصبح تهمة الزندقة فيه أهون بكثير من أن يقال هذا من أبناء علي.. من أحفاد محمد...

هارون يخشي موسي.. يخشي كلماته.. إنّها صدي لكلمات محمد...لخطب علي.

وقفت فاطمة تودّع من بعيد قافلة أخذت طريق البصرة ـ وقد خفق قلبها الي قبّة تحفّها سيوف و رماح.. ان قلبها لا يخطيء..

غابت القافلة في الأفق البعيد.. وكانت السماء ما انفكّت تمطر علي هون.

عادت فاطمة مع شقيقها علي.. عادت تجرجر نفسها و خطاها الي منزل بدافي ذلك الصباح الغائم خيمة مزقتها رياح الزمهرير.. لقد رحل الاب.. انهار عمود الخيمة.. رحل السلام.. وربما دون عودة نظرت فاطمة الي السماء المثقلة بالغيوم.. والمطر.. انبجست دموع طفولية من عينيها.. دموع تشبه مطراً حزيناً راحت تتساقط بصمت .

يا لوعة اليتم في قلوب اليتامي.. ويا لقسوة الزمهرير، زمهرير الخوف...الخوف من المجهول..

عندما يرحل الأب تصبح الدنيا برداً و صقيعاً.. تصبح بلا شمس.. بلا دفء و لا نور ومضي التاريخ يشعل الحوادث هنا وهناك في دنيا الناس.

وتمرّ الايام متتابعة كأمواج نهر تتدافع باتجاه نقطة ما.

وفي بغداد عاصمة الشرق، تربّع هارون، يقود أزمّة الأيّام...يحاول دفع الأيام في الاتجاه الذي يريد، ويأبي التاريخ.

جلس هارون يفّكر ويدبَّر، وبدت آثار الارهاق على وجهه المكدود لكأنه يصارع قدراً لا مفرّ عنه.

ولو قدّر للمرء أن يجوس خلال القصر تلك الليلة لرأي كيف يسعي الانسان بكل ما أوتي من قدرة الي تغيير مسار التاريخ.

هاهو الرشيد تجتاحه موجة من الأرق المدمّر، الأرق الذي لا يمكن مواجهته برحلة في مياه دجلة ولا ارتياد قصور البرامكة وعبّ كؤوس اللذة.. لقد اندثر البرامكة الي الأبد، ولم يعد الرشيد يستمتع بالليالي الحمراء فقد غزا جسده مرض لا يُعرف دواؤه! واستولي علي هاجس الخوف علي ملكه العريض الممتد من سمرقند الي حدود أفريقيا؛ وما برحت الغيوم المسافرة تهطل في تلك الاراضي المترامية لتتدفق بعد حين ذهباً و فضة؛ وهارون غارق حتي هامة رأسه في بحر من اللذائذ مكأنه عاد الذي أراد أن يبني جنته في الأرض!

ولكن ما باله هذه الليلة مكدّر الخاطر، تعصف في رأسه آلاف الهواجس كخنازير وحشية؟!

اشار الي حارس يقف كتمثال:

ـ عليّ بالاصمعي!

وما أسرع أن جاء فجلس قريباً منه، وأدراك الاصمعي أن هارون يصارع هواجس في أعماقه.. هواجس لانهاية لها!

وطال الانتظار، لشد ّما يتغيّر الكائن البشري...أين دماء العافية التي كانت تموج في وجهه، لقد غادره ذلك الألق الوردي وحلّت مكانه صفرة رجل يحث الخطي نحو رمسه.

غمغم امبراطور الشرق:

ـ ألا تحبّ أن تري محمداً وعبد الله؟ (1)

ـ أجل يا أمير المؤمنين إني لأحب ذلك.

قال الأصمعي ذلك وحاول النهوض.

تمتم الرشيد:

ـ مكانك يا أصمعي.. سيأتيان.

أشارة خفيفة، و انطلق حارس يدعوهما.

راح الاصمعي بعد أن حضرا يدير الحديث بلباقة أديب يعرف كيف ينفذ الي نفوس الملوك والأمراء.

تسأل الرشيد و قد ذهب شطر من الليل:

ـ كيف رأيتهما.

ـ ما رأيت مثلهما في ذكائهما وجودة ذهنهما، أطال الله بقاءهما، ورزق الأمة من رأفتهما.

ضمَّ الرشيد ولديه الي صدره، وكتم في اعماقه عبرة حرّي وعاد الانتظار والترقّب، ونهض الأمين، والمأمون، وهما يتفننان في أدب من يريد مغادرة مجلس ملوكي ويوحي لمن يراهما انهما يليقان بولاية العهد.

تداعت مشاهد في ذاكرة الاصمعي.. تذكر لقاءه الأول بهارون منذ سنين بعيدة...كان الفضل البرمكي يومها رجل له نفوذ السلاطين، ولكن يا لدورة الزمان!

ها هو هارون الذي مخر عباب اللذائذ يهيمن عليه قلق في مستقبل عرشه، تطارده نبوءة رجل من أبناء محمد..

سوف تتهدم القصور ويستحيل دجلة الي نهر من دم، ها هو هارون يقف عاجزاً مستسلماً أمام قدر غامض..

و تذكر الاصمعي تلك الليلة الرهيبة التي رأي فيها رأس جعفر البرمكي.. ما تزال صورة هارون المتحفزة كالوحش ترعبه.. كانت ليلة رهيبة.. الكلمات المترعة بالرعب تلهب كيانه:

ـ الحق باهلك يا اصمعي!

و خانته قدماه و هو يتقهقر منحيناً الي الباب، و مشي من دون "برذونه" ، ولكنه عندما تذكر ذلك في منتصف الطريق رفض العودة، فقد يقبض عليه و يلحق بجعفر و عندها ادرك سرّ وقوف السندي بن شاهك و رجال شرطته عند جسر الرصافة ذلك الصباح الغائم.

تصوّر في تلك الحقبة الهائجة أن بغداد ستثور، فالبرامكة ليسوا حمقي عندما كانوا يبعثرون الأموال بمناسبة و غير مناسبة..

ولكن كل شيء عاد الي طبيعته، واختفي رجال الشرطة من جسر الرصافة و كانت مياه دجلة تجري تتدافع امواجها كما كانت منذ مئات السنين.. حتي جثمان جعفر بشقيه والذي ظلّ عاماً كاملاً اختفي واضحت جثته رماداً تذروه الرياح.. رياح التاريخ(2).

ان هواجس هارون التي تقض مضجعه تتجسد في الخطر العلوي فهؤلاء المشرّدون منذ اكثر من قرن هم مشاريع للثورة.. في كل مكان تطأه أقدام علوي تشتعل الثورة، و يتألق حلم الحرّية.

غمغم الرشيد كمن يحدّث نفسه:

ـ كيف بك يا أصمعي إذا ظهر تعاديهما وبدت  البغضاء بينهما، ووقع بأسهما بينهما حتي تسفك الدماء، و يودّ كثير من الاحياء انهم كانوا موتي.

أعادت الكمات الغامضة الأصمعي الي نفسه وهتف مأخوذاً انهم كانوا موتي.

أعادت الكلمات الغامضة الأصمعي الي نفسه وهتف مأخوذاً بما يسمع:

ـ أهذه نبوءة منجمّ يا أمير المؤمنين؟!

قل هارون وفي عينيه حزن و يأس:

ـ نبوءة عن الاوصياء.. عن الانبياء!

وأدرك الأصمعي إن هارون يؤمن بكل ما يقوله موسي بن جعفر الصادق.

أطرق هارون يفكر، وكمن يحاول تغيير مسار الأقدار.. رفع رأسه و أشار الي حارس قريب:

ـ عليّ بالعباسي!

انطوي وقت ما عندما رأى الفضل بن الربيع الذي بني مجده على أحلام زبيدة وتدمير البرامكة.

قل الرشيد قبل أن يستقر في جلسته:

ـ أنت تعرف محمداً و عبدالله، عبدالله أكبر وفيه حزم المنصور ودهاؤه، ولكن محمداً منهمك في ملذّاته منصرف الي ملاهيه، فان تولّي الخلافة ضاعت البلاد و تبدّد ما بنيته من الأمجاد.

قال الفضل و هو يعرف كيف يستحوذ على عقل هارون:

ـ يا امير المؤمنين ، ان هذا أمر خطير،.. الزلّة فيه لا تغتفر وللكلام فيه مكان غير هذا.

نهض الاصمعي، ليجلس في زاوية بعيدة من زوايا القصر المنيف، فيما ظلّ الرجلان يخططان لمستقبل الايام.

قال الفضل:

ـ لا تنسَ يا سيدي أن أمّه عربية هاشمية.. ان زبيدة لا تنافسها امرأة في المجد.. ولقد تولّي السفاح الخلافة قبل أخيه المنصور وهو أصغر منه لأن أمّه عربية وام المنصور امرأة من البربر.

ان أهل بغداد وقادة الجيوش و العرب لا يعدلون بالأمين أحداً.

ـ والمأمون؟!

ـ لتكن خلافته بعد أخيه.

ـ ان الأمين سوف يفكّر في اقصائه وتوليه العهد لغيره.. لقد رأى بعينيه كيف ننقض العهود.

لا أظن ذلك يا سيدي فالعهد مودع في جوف الكعبة ولن يجرؤ أحد على نقض ما يؤسسه الرشيد.

سكت هارون على مضض، و حانت منه التفاتة فرأي نور الفجر(3) يخترق ظلمة الفضاء...و سكتت شهرزاد عن الكلام المباح.

______________________

(1) الدينوري / الاخبار الطوال / 388.

(2) جعفر بن يحيي بن خالد البرمكي وزير الرشيد من سنة 177 ه و حتي 187 ه حيث لقي مصرعه فيما عرف في التاريخ ب(نكبة البرامكة) و تمت تصفيته بطريقة بشعة، صلب جسده شقين كل شق علي جسر من جسور بغداد ثم احرقت جثته بعد مرور عام.

وقد أثار الحادث تساؤلات عديدة و ما تزال، و كانت عليّة (أخت الرشيد) قد سألت أخاها عن ذلك فأجاب : "لو علمت أن قميصي يعلم لسبب لمزّقته".

الطبري 8 / 187، ابن الأثير 6 / 175 ، الوزراء و الكتاب / 189.

وكان الاصمعي قد استدعي من قبل هارون الرشيد لا حاطته علماً بما حصل، و هو اجراء تحذيري فيما يبدو.

(3) امتدّت المباحثات حتي الفجر.

سؤال وجواب

التاريخ: 24 / أيلول / 2014 م 5279
التاريخ: 30 / 11 / 2015 8135
التاريخ: 8 / تشرين الثاني / 2014 م 7819
التاريخ: 5 / 4 / 2016 6319
التاريخ: 28 / أيلول / 2015 م 6233
شبهات وردود

التاريخ: 24 / أيلول / 2014 م 3571
التاريخ: 24 / أيلول / 2014 م 3194
التاريخ: 24 / أيلول / 2014 م 2972
التاريخ: 24 / أيلول / 2014 م 3019
هل تعلم

التاريخ: 25 / تشرين الثاني / 2014 2336
التاريخ: 8 / 12 / 2015 2435
التاريخ: 13 / تشرين الثاني / 2014 2597
التاريخ: 8 / 7 / 2016 2112

المرجع الإلكتروني للمعلوماتية هو موقع معلوماتي موسوعي شامل يحتوي على العديد من النوافذ الفكرية العلمية والإنسانية ، وخيارك الأفضل للبحث عن المعلومة الدقيقة المقتبسة من أمهات الكتب بوثاقةٍ وموضوعية .