English
       
جميع الاقسام
القرآن وعلومهُ العقائد الإسلامية الفقه وأصولهُ الرجال والحديث سيرة الرسول وآله علوم اللغة العربية الأدب العربي الأسرة والمجتمع الاخلاق و الادعية التاريخ
المزيد   
التاريخ
عدد المواضيع في القسم ( 2844) موضوعاً
التاريخ والحضارة
اقوام وادي الرافدين
العصور الحجرية
الامبراطوريات والدول القديمة في العراق
العهود الاجنبية القديمة في العراق
احوال العرب قبل الاسلام
التاريخ الاسلامي
السيرة النبوية

التاريخ: 6 / 4 / 2016 915
التاريخ: 29 / كانون الثاني / 2015 914
التاريخ: 19 / 10 / 2015 916
التاريخ: 13 / 4 / 2016 895
مقالات عقائدية

التاريخ: 25 / أيلول / 2014 م 1265
التاريخ: 3 / تشرين الاول / 2014 م 1398
التاريخ: 8 / تشرين الاول / 2014 م 1318
التاريخ: 17 / 12 / 2015 1314
النظام السياسي واثره في النشأة الاجتماعية في العراق القديم  
  
93   04:53 مساءً   التاريخ: 1 / 7 / 2017
المؤلف : عادل هاشم علي
الكتاب أو المصدر : البنية الاجتماعية في العراق القديم من عصر فجر السلالات وحتى نهاية العصر البابلي...
الجزء والصفحة : ص178- 208


أقرأ أيضاً
التاريخ: 1 / 12 / 2016 9
التاريخ: 17 / 9 / 2016 15
التاريخ: 1 / 12 / 2016 15
التاريخ: 1 / 12 / 2016 11

النظام السياسي .

أولاً : نظام الحكم .

إن الحديث عن أي نظام حكم يتطلب في البداية إعطاء تعريفاً وتحديداً لمضمون النظام السياسي المشتمل عليه، ذلك ليساعد في معرفة الموضوعات التي يتمحور بها شكل النظام السياسي بأنواعه وتشكيلاته المختلفة .

يرى بعض فقهاء السياسة إن النظام السياسي هو كيفية ممارسة السلطة في الدولة مع التركيز على أن النظم السياسية هنا تختلف عن بعضها باختلاف ما إذا كانت السلطة تمارس من قبل جهة واحدة "(فردية أو جماعية) أو من عدة جهات (1) .

ويرى البعض الآخر إن مضمون النظام السياسي لا يشمل فقط كيفية ممارسة السلطات العامة في الدول وإنما يشتمل كذلك على أمور كثيرة كالوسيلة التي بواسطتها يتم الوصول إلى السلطة ومقدار سلطات الحاكم ، لذا فأن مفهوم النظام السياسي هنا يتحدد بالشكل الذي تتخذه التفرقة بين الحكم والمحكومين (2) .

وعلى أساس التعريف الثاني يمكن تقسيم النظم السياسية إلى ديمقراطية واستبدادية، فهي ديمقراطية إذا كان الحكام فيها يستمدون سلطتهم من المحكومين، وهي استبدادية في حالة فرض الحكام سلطاتهم المطلقة على المحكومين باعتبار أن الحكام والملوك هنا لا يستمدون سلطاتهم من المحكومين بل من قوة عليا خارجة عن إدارة البشر.

والذي يهمنا هنا هو تحديد طبيعة النظام السياسي في العراق القديم وكيفية نشوء نظام الحكم فيه والشكل الذي اتخذه فيها بعد ومن الطبيعي أن يظهر ذلك جلياً بعد التعرف على إبراز ملامح شكل الدولة والحكومة آنذاك .

إن النظام السياسي يوجد مع وجود الدولة وهذه الأخيرة تقوم داخل جماعة معينة من الأفراد تختلف من إقليم لآخر. وهذه العوامل توفرت في بلاد الرافدين منذ بدايات التاريخ لذا فقد ظهرت فترة الدولة فيها ووصلت إلى درجة عالية من التنظيم السياسي في الحكم (3) .

تدل الأثار المكتشفة في (تل الصوان) والمتمثلة في أبنية المعابد وملحقاتها وبعض البنايات الخاصة على وجود أول مقرات للحكام وإدارة المدنية ، إلا أن معالم نظام الحكم يتضح أكثر في بلاد سومر والأقاليم التي تنتشر فيها . وينتج في الأدلة الآثرية التي تعود إلى الفترات السابقة لعصر فجر السلالات وجود نوع من انظمة الحكم البدائية في مدن العراق الجنوبية في الالفين الخامس والرابع قبل الميلاد . إلا أن هذه الأدلة غير كافية لألقاء الضوء على نوع نظام الحكم في تلك الفترات لعدم وجود نصوص كتابية تدعها وتستند إليها (4) .

ويستبدل من بعض المصادر المسمارية التي ترجع إلى عصر فجر السلالات على وجود أنظمة حكم متطورة في القيم الجنوبية من العراق ولابد إنها قد تمت وتطورت خلال الفترات السابقة والتي لم تظهر فيها الكتابة بعد (5) .

وخلال المنتصف الأول من الآلف الثالث قبل الميلاد شهدت المدن نمواً واتساعاً واضحاً وزيادة في عدد السكان واصبح البعض منها بينما يعد مراكز حضارية مستقطبة (6) وحيث أن القسم الجنوبي من العراق القديم يتميز بوجود العديد من الأهوار و المستنقعات المتكونة في الأنهار الرئيسية، فقد استقلت المدن كل بنواتها الخاصة المهيمنة على المدينة وما يتبعها من قرى وقصبات وغدت كل مدينة رئيسية ووحدة متكاملة ولها حدودها التي تفصلها عن غيرها (7) .

  تؤكد المصادر المسمارية بأن هذه الكيانات السياسية التي أطلق عليها تسمية 0(دويلات المدن City state) الموجود في بلاد سومر، لم تكن تزيد على خمسة عشر دويلة مدينة. تشتمل كل واحدة منها على مركز المدينة وهي العاصمة فضلاً عن وجود إله خاص بها ومعبده المستقل بنظمه وإدارته وتقاليده (8) . ولأن السومريين كانوا يؤلفون العنصر الغالب في تلك المراحل فقد عرفت تلك الدول أو الممالك بدويلات المدن السومرية ومع ذلك فأنها لم تقتصر على السومريون فقط بل لابد وأن هناك دويلات مدن في الأجزاء الأخرى من العراق ، ولاسيما في بلاد أشور وعلى نهر الفرات . بيد ان المعلومات المتوفرة عن تلك المناطق قليلة نسبياً نظراً لقلة النصوص المسمارية المكتشفة للأزمنة المبكرة المناطق (9) .

إذن فأن بلاد وادي الرافدين في عصر فجر السلالات 2900-2400 ق.م كانت مجزأة إلى عدد من دويلات المدن والتي حكم كل منها سلالة خاصة مستقلة عن غيرها حتى بالإله المعبود فيها (10) . وقد ترتبط دويلة بأخرى بمعاهدة أو اتفاقية ثانية (11) . وعلى الرغم من وجود علاقات عدائية في فترات متقطعة إلا أن بعض المؤرخين بالغ في تطوير الصراع والنزاع على الأراضي و المياه (12) . وقد وصل عدد دول المدن المتعاصرة و المستقلة أحياناً إلى أكثر من عشر دول تتقاسم الحكم في ارجاء العراق المختلفة ، ولم يكن هناك وسيلة قوية تفرض سيطرتها على بقية الدويلات إلى حين ظهور الدولة الأكدية في الجزء الشمالي من بلاد سومر (13) .

إن ظهور الحاكم أو الأمير في المدن العراقية القديمة لم يكن بالأمر المفاجئ أو الطارئ الذي ينشأ بين عشية وضحاها ، بل سبق ظهور هذا الزعيم أسباب كان من شأنها أن تساعد على بلورة نظام الحكم وظهوره بالصورة الأولى له ويأتي مقدمة هذه العوامل المساعدة عامل طبيعة العراق الجغرافية لاسيما البيئة الطبيعية في القسم الجنوبي من العراق (بلاد سومر وأكد) فضلاً عن الطبيعة القاسية الناتجة من اختراق الأنهار المحملة بالمواد الغرينية للمنطقة وتكوين شبكة من السهول الفيضية والرسوبية التي ساعدت في تكوين الأنهار والمستنقعات أضف  إلى ذلك قلة الأمطار وارتفاع درجات الحرارة والفيضانات المفاجئة والمدمرة (14) الأمر الذي جعل السكان يتكاتفون من أجل تنظيم حياتهم من خلال فتح القنوات والجداول لري الحقول وتصريف المياه واقامة السدود لدرء أخطاء الفيضانات وحماية الاراضي  الزراعية التابعة للمدينة (15) .

ومن هنا نشأت ملامح السلطة الجماعية باعتبار أن القرارات النافذة كانت تتخذ من قبل أطراف المجتمع (16) لذا فأن تسميتها بالسلطة الاجتماعية أنسب من تسمية السلطة السياسية، أي أن عملية تنظيم المجتمع لجميع جوانبه كان يتم من خلال مجلس عام يضم جميع المواطنين يقسم بداخله إلى مجلس الشيوخ (المسنين) ومجلس عام يضم غالبية المواطنين (17) . هذان المجلسان دفعا بالباحث ثوركيلد جاكوبسون إلى فرض نظرية الشهيرة المسماة بـ (الديمقراطية البدائية Primitive democracy) (18) وتوصل جاكوبسون إلى استنتاجات مفادها أن القرارات في دولة المدينة كانت تنفذ بعد أن يجتمع المجلسان ، وغالباً ما كان المجلس العام يدعو إلى الانعقاد في حالة حدوث أزمة أو ظهور ما يهدد المجتمع . فكان المجلس يخدم المجتمع من خلال الاستفادة من التجارب والابداعات المفيدة التي مرت بها المدينة من اجل تطويرها والعمل على ازدهارها (19) فضلاً عن انها وسيلة قيادية لتدير مختلف الاعمال التي تخص المدينة وسكانها (20).

كان عمل مجالس المدن بمثابة هيئة تشريعية تصدر القوانين وتفرض عقوبة الموت أو النفي بحق المجرمين وتعمل على كبح جماح الخارجين عن القانون والعمل على رفع مستوى المدينة وتغيير أوضاعها الداخلية للأفضل . وكان من بين المهام أيضاً اختيار المجلس رئيساً له (إداري) يقوم بخدمة المدينة وسكانها ويكون جزء من نظام الحكم المتمثل بالمجلس العام (21). ولكن حتى هذا الوقت (فكرة حكم المجلس) كان اختيار الشخص الإداري يتم في أطار الممارسات الفعلية للديمقراطية البدائية ، فضلاً عن أن هذا الشخص المكلف يبقى ضمن صلاحيات محدودة تنفذ مع نفاذ مدة حكمه وإدارته للمدينة وحسب ما يراه المجلس لاسيما مجلس الشيوخ (22) .

ومهما يكن من أمر فأن نظرية الديمقراطية البدائية قد فرضت نفسها في الواقع السياسي لشكل الحكومة في العراق القديم آنذاك وهذا الأمر راجع إلى كون أن القائلين بهذه النظرية يستندون إلى عدة أدلة مستمدة من ملامح الوضع السياسي والاجتماعي آنذاك وأهم هذه الأدلة هي :-

(1) أن القصص والأساطير الرافدينية القديمة عكست بشكل غير مباشر طبيعة الحياة السياسية والاجتماعية السائدة في مجتمع المدن السومرية إبان عصر فجر السلالات ، ويفسر الباحث الأستاذ جاكوبسون ذلك بالقول : "أن المعتقدات الدينية العراقية القديمة والتي تدور حول مبدأ الترك (polytheism) أي تعدد الالهة اتصفت بمبدأ التشبيه أي تشبية الآلهة بالبشر بصفاتها الروحية والمادية " (23) . وهذا يعني أن ماورد عن مجمع الالهة (Pantheon) في الاساطير السومرية ما هو الا انعكاس للسلطة الأرضية جسدها الكاتب السومري بمجلس الالهة ، حيث كان هذا المجلس (Puhrum = UkIN) (24) ينعقد وتطرح القضايا أما أمام (انو) أو (انليل) للنقاش ويكون لباقي الالهة فرصة لطرح ارائهم حول القضايا المهمة كمسألة الطوفان وتدمير البشرية في الأرض (25) .

وربما أن مجلس الشيوخ ومجلس الشباب ، اللذان كونا المجلس العام للحد فيه السومرية ، كانا يشبهان إلى حد ما الانقسام الوظيفي داخل مجمع الالهة والمتمثل بكار الالهة (الانوناكي) وصغار الالهة (الايكيكي) حيث أن عمل الانوناكي مشابه لعمل مجلس الشيوخ المسنين وكذلك الأمر بالنسبة للاكيكي . ومن الأمثلة المستقاة من الاساطير والتي تصور عمل المجلسين في اختيار القائد لمواجهة الأزمان ، ما ورد في قصة الخليفة لبابلية (اينوما ايليش) (26) حيث كان قرار مجلس الألهة محاربة (تيامة) وجموعها من آلهة الشر ، وقد عين مردوخ قائداً للحملة واختير بطلاً لهذه الحرب(27) كما جاء في النص :

((وأعلنوه (مردوخ) ملكاً وقلدوه شارة السلطة وابتهجوا له .

وقدروه ملكاً وقاد مرودخ الالهة في المعركة ضد تيامة)) (28) .

كما أن هناك نصاً يعود إلى العصر الشبيه بالكتابي يشير إلى عملية انتخاب أحد الأفراد ليكون ملكاً ، وهذا يدل على أن فكرة الانتخاب والمشاورة في الاختبار قد ترسخت منذ العصر الشبيه بالكتابي وكما يوضح النص :-

((في مجتمع انليل … اجتمعت كيش في مجلس كيش … ليختاروا رجل كيش لهم ووضعوه للملكية)) (29) .

 

(2) ومن الأدلة أيضاً هناك نص مسماري يتحدث عن صراع دار بين مدينة الوركاء بقيادة ملكها كلكامش ومدينة كيش بقيادة ملكها القوي (اجا) . وملخص القصة الواردة في النص أن حاكم كيش اجا عندما شعر بالقوة والبأس والرغبة في مد نفوذه وسلطاته على مدينة الوركاء بعث برسالة إلى كلكامش حاكم مدينة الوركاء طالباً منه الاستسلام والخضوع لسيادة مدينة كيش ، بالمقابل نجد أن كلكامش لم يتخذ قاراً حاسماً بشأن الرد على الملك (آجا) ملك كيش ، فاستشار مجلس الشيوخ في المدينة فكان جوابهم الميول إلى الاستسلام إلا أن كلكامش لم يوافق على ذلك وعرض على المجلس العام الذي يضم الشباب والرجال القادرين على حمل السلاح فأجابوه بالتأييد ومواجهة مدينة كيش القوية (30) . وقد استند الباحثون في مقدمتهم جاكوبسون على هذه القصة ما يعزز نظريتة حول شكل نظام الحكم المسمى بالديمقراطية البدائية .

مع إشارة هذه القصة إلى الممارسة اليدمقراطية في الحكم من خلال استشارة كلكامش للمجلسين إلا أن الواضح تماماً أن شكل نظام الحكم كان ملكياً بحتاً أي إنه كان حكماً فردياً واستبدادياً إذا ما لوحظت الأعمال التي كان يقوم بها كلكامش في مجتمع مدينة والتي عبرت عن طغيانه في البلاد (31). وهذا ماتصورة لنا ملحمة كلكامش لاسيما في اطلالتها النثرية والتي توصف شخصية كلكامش وما تملكه من صفات اعجازية ونادرة (32) ، اختلفت بها الصورة الإنسانية بالصفات الإلهية له كما يوضح لنا النص المسماري :-

((كلكامش ايها الملك الكامل والأمير الحكيم الشجاع الذي جاب اقطار الأرض حاكم الأرض حاكمهم الأرض ورب العالم السفلي أنت القاضي حكمك لا يتغير وحكمتك لا تنسى وقد وضع الإله شمش الحكم و القضاء بيدك …. والملوك والأمراء يخرون لك ساجدين))(33) .

إن مثل هذا النص لا ينكر قيام النظام السياسي على أساس الحكم الفردي والانفرادي والذي يتيح له اتخاذ القرارات بشكل فردي ؛ أي أن نظام الحكم في زمن كلكامش كان اوتوقراطياً تسليطاً اضفى عليه كلكامش الطابع التشاوري الديمقراطي المحدود وذلك بمحاولته أشعار الأفراد في المجلسين بانهم شركاؤه في صنع القرارات الهامة ، وهذا الأمر في الإدارة والسياسة يعُــلل على إنه دليل إيمان القيادة بمحاولة كسب رضاء الفئات المتمكنة في السلطة ، فهو يشعرهم بالمشاركة دون أن يشركهم فعلاً(34). وهذه الحالة هنا تلبس زياً تشاورياً تمثل أقدم حالة للديمقراطية في التاريخ .

(3) ومما يلاحظ أيضاً أن الكثير من الملوك وخصوصاً أولئك الذين جاءوا إلى الحكم بالقوة حاولوا إضفاء الشرعية على حكمهم بالادعاء بأنهم توجوا ملوكاً نتيجة اختيار الآلهة لهم . وهذا الانتخاب الذي يعد أحد مظاهر الديمقراطية يتحلى في انتخاب (لوكال=ملك) من قبل سكان المدينة في العصور المبكرة في العراق القديم(35) .

ومع هذا يبقى السؤال هو كيف انبثق النظام الملكي التسلطي من النظام الديمقراطي التشاوري؟ ولماذا لم تتطور فكرة الديمقراطية في العراق القديم مع تطور الحياة ووضوح الصورة عند الناس عن الأمور الدينية والدنيوية ؟

يتفق علماء السياسة على أن السلطة السياسية تنتقل في أطوار الدول من مرحلة الحكم الجماعي وسلطة الجماعة إلى مرحلة السلطة الفردية التي يتمتع بها الحاكم بصورة شخصية، وهذا الانتقال لا يتم دفعة واحدة بل عبر ظروف يستمدها الفرد الحاكم (الملك) من شخصيته أو نفوذه أو ما يتمتع به من شجاعة أو حكمة تهيأ له الانفراد بالحكم (36) .

إن للظروف المناخية والأحوال الجغرافية التي تميز بها العراق أثراً في نشوء أنظمة الحكم وكذلك أيضاً ساعدت على قولبة شكل نظام الحكم أي إنها ساعدت على ظهور نظام الحكم الفردي والذي ظهر بصورة ديمقراطية مقنعة، ثم ما لبث أن استبد هؤلاء الحكام في السلطة (37). ومن الطبيعي أن الجماعات الصغيرة في المدن أو نظام الحكم الجماعي لا يستطيع مواجهة الأخطار الطبيعية أو الكوارث المتمثلة بالفيضانات وما يترتب عليه من بناء السدود والقنوات، لذا فقد كان من المهم أن تتظافر الجهود وتتكاتف مع بعضها للقيام باعمال مشتركة وكذلك إيجاد وسائل مناسبة لذلك، كما أن هذه الأمور تتطلب جهداً كبيراً ومنظماً لذا فقد ظهرت الحاجة إلى شخص يقوم بتنظيم مثل هذه الجهود وتوجيه الأعمال وتحديد المسؤوليات لكل جماعة ومتابعة تنفيذ الأعمال بما يملكه خبرة وتجربة (38) .

ولما كانت ثقة الناس كبيرة في رجال الدين (الكهنة) لعلاقتهم بالآلهة ولكونهم وسطاء بينهم وبينها ولتأثيرهم في الظواهر الطبيعية، حسب اعتقاد القوم، فأن ذلك يدعو إلى الاستنتاج بأن الحكام الأوائل في مدن جنوب العراق كانوا من رجال الدين، كما أن ابرز خصائص هذه المدن منذ فترة العبيد هو ظهور المعبد كنواة تنظيمية لشؤون المدينة الدينية والاجتماعية والاقتصادية (39) ، وتبعاً فأن للكهنة دوراً بارزاً في إدارة هذه الشؤون . ومما يؤيد كون أن أول الحكام هم من الكهنة ورود إشارات في النصوص المسمارية من عصر فجر السلالات (2800-2371ق) تفيد أن الحكام الأوائل (إين EN) كانوا يعيشون في مكان مقدس ملحق بالمعبد يدعى (اكيبار EGIPAR) وبالأكدية كيبارو giparu (40) .

كان الكاهن الذي حمل لقب (إن EN) يدير شؤون المدينة في أوائل عصر فجر السلالات، وبعد أن ازدهرت المدن وزاد عدد سكانها، ولم يكن الكاهن على الأرجح قادراً على القيام بالوجبات الدينية والدنيوية في أن واحد، فقد انفصلت عنه السلطة الدنيوية بالتدريج وانتقلت إلى الحاكم السياسي والإداري الذي اصبح وكيلاً عن أملاك الآله والذي سمي (أنسي Ensi)(41) وقد شيد لهذا الحاكم الدنيوي قصر مستقل عن المعبد لعائلته وأفرادها حاشية (42) .

إن هذا التخصص في السلطات والواجبات لم يأتي بصورة مفاجئة ، فقد سبقته عدة عوامل كان من أهمها ظهور النزاع بين دويلات المدن السومرية وما ترتب على ذلك من اختيار القائد الذي يتولى قيادة الدولة والمواجهة مع بقية المدن فمنحت له صلاحيات واسعة لمواجهة الأخطار المتأتية من بعض المدن(43) ، فأصبحت مهمة القائد حربية بالدرجة الأولى ، وأحيطت المدن بالأسوار خوفاً من تعرضها لهجمات اعدائها حيث أن المدينة التي تستسلم للأعداء يمكن أن تصبح عرضه للنهب أو يتغير نظامها لمصلحة المدينة المستقرة(44) . ويبدو أن هذا المضمون يظهر واضحاً في قصة الخليقة البابلية، فالآلهة عندما وجدت نفسها مهددة بفعل الحرب التي اعلنتها (تيامة) لجأت إلى مردوخ وهو الإله الأكثر حماسة وشجاعة في مجلس الالهه ليصد هجوم الآلهة الشر (تيامة) .

تدريجياً أخذت صلاحيات الحاكم السياسي (القائد) تتوسع؛ فشملت مسؤوليته أملاك أله المدينة (أملاك المعبد) باعتباره وكيلاً، وبدأ يترك معظم الوجبات الدينية إلى الكهنة واصبحت هناك أملاك له ومستقلة عن المعبد كما كان الحال قبيل حكم الملك أوروانمكينا في لكش (45) .

من جانب أخر فقد مثلت الحروب بين الدويلات السومرية في العصر الشبيه بالكتابي حالة مستمرة من التحصين مما يتطلب إنشاء جيش وإقامة تحصينات دفاعية في المدن ، وعندما كان يشعر أحد الحكام إنه بإمكانه ضم دول مدن أخرى إلى سلطانه لم يتوان عن تنفيذ ذلك(46) وأخذ يطلق على الحاكم الذي يسيطر على مدن أخرى لقب (لوكال) والذي يعني حرفياً الرجل العظيم (الملك)(47) وهذا ما نراه عندما توسع الملك لوكال زاكيزي ملك (أوما) على حساب المدن الأخرى كالوركاء ولكش متخذاً من الوركاء عاصمة له فشمل نفوذه معظم بلاد سومر وأجزاء من المناطق المجاورة لها(48) .

وإن بوادر قيام الدولة الموحدة في العراق القديم منذ عهد لوكال زاكيزي وحتى وضوحها تماماً الدولة الأكدية ، كان سبباً إضافياً في بروز دور القائد الذي يقود الدولة والذي استحق لقب (لوكال) لاسيما في العصر الأكدي(49) ، فضلاً عن بقية الالقاب الأخرى (50) .

ويبدو أن كاتب قصة الخليقة البابلية جعل الإله مرودخ يشعر بأهمية الدور القيادي الذي اضطلع به وحاول أن يستفيد من ذلك لتجاوز في سلكته كل اعضاء مجلس الآلهة إذ أجاب على طلب الآلهة بالتصدي لحرب تيامة بقوله :-

((إذا كان علي أن أكون بطلكم، وأن أقهر تيامة وأنقذكم، اجتمعوا إذن واعلنوا سلطتي العليا واتركوني حدود مثلكم المصير … الأمر الذي اعطية لا يرد ولا يبدل)) (51).

إن هذا النص يكشف عن طموح (مردوخ) وبالمقابل يكشف أن دعوة لجميع الآلهة أو المجلس لاختياره كقائد وملكاً وفقاً للضرورة، تمثل المنهج النظامي لتولي السلطة (في المجتمع البشري تحديداً) (52) . من جانب أخر أن التصدي للأوضاع الطارئة لم يحدد البقاء في السلطة والاستثناء بها كما فعل مردوخ (الانعكاس الأسطوري للواقع البشري). وكذلك الحكام الذين انتخبوا في المجتمع السومري. بل أن الانفراد بالسلطة جاء بعد أن فرض الملوك قوتهم من خلال العدة والتجهيز اللازم للحروب الخارجية وليس كما يعتقده البعض بأن السلطة المستمرة اعطيت كميزة مقابل تصدي الحكام (القائد) للفوضى بمختلف أشكالها (53) .

إذن فأن القائد المنتخب أخذ بتقوية مركزه وترسيخ أسس حكمه والقضاء على منافسيه ولهذا ظهر حاكم واحد في العديد من الأساطير السومرية، كما أن الظروف الحربية التي أدت إلى اختيار القائد جعلته حريصاً على النظام بوساطة الإداريين وبعض العسكريين التابعين له ، وأخذ يدعم سلطته بالحرس الخاص له الذين زاد عددهم تدريجياً حتى أصبحوا جيشاً صغيراً شكل نواة القوة العسكرية للمدينة المهيمنة في الداخل و المدافعة عن حدود المدينة . ومن خلال هذه القوة العسكرية حقق الحكام الأوائل ومن تبعهم أهدافهم وطموحاتهم (54) .

إن ميول الملوك والحكام، الذين وصلوا إلى المنصب بصورة ديمقراطية، إلى حماية منصبهم والاحتفاظ به، قادهم إلى البحث عن أساس مستقر ومستقل يقيمون عليه سلطتهم ولم يكتفوا بمجرد قبول الناس بهم حكاماً وانتخابهم في تجمعاتهم الشعبية، طالما أن ارتباطهم بالحكم يقتصر على الحالة الطارئة ومحدودة بها وتزول سلطتهم بزوال تلك الحالة ولهذا فقد توجه الملوك إلى الآلهة وأكدوا على حقهم الديني والانتخاب الغيبي بدلاً من انتخاب الناس لهم (55).

إذن مع هذا التحول التدريجي من النظام الديمقراطي (البدائي) إلى النظام الملكي الديني أخذ التركيز واضحا على الانتخاب الالهي من خلال اضفاء القدسية على الملوك بطريقة أو بأخرى. وقد أوجد أساس الانتقال الكامل من مبدأ الانتخاب الشعبي إلى مجال الحق الالهي. واستناداً إلى عقيدة السومريون فأن الملك كان يرشح لمنصبه من قبل إله المدينة، ويتم انتخابه ملكاً لسومر من قبل الالهة في اثناء اجتماع بمدينة (نفر) تحت سلطة انليل(56) .

ويبدو أن الاجتماع الشعبي في اختيار الملك قد زال بعد ظهور فكرة الاختيار الآلهي، وإذا ما حصل اجتماع شعبي فيكون معناه تحدي لسلطة الملك ووسيلة للتنظيم وإعلان العصيان (57) . وبهذا المفهوم ينظر جاكوبسون إلى اجتماع برلمان الوركاء في قصة كلكامش راجا، على أن الوركاء خرجت عن طاعة ملك كيش اجا. وقد استمر هذا المفهوم حتى ظهور الدولة المركزية في العصر الأكدي (58) .

وفي الواقع أن تفسير تحول سلطة (الملك) إلى سلطة دائمية وثابتة وشخصية هو إنها تنتهي بشكل أو بأخر إلى إرجاع هذا التحول إلى اعتبارات وظيفية سواء تمثلت بالحروب أو بالاضطلاع ببعض المهام الاقتصادية (59). والذي يمكن ملاحظته بشكل عيني وملموس هو أن الاعتبارات الوظيفية لسلطة المنصب (الملوكية) كانت قد تحكمت في هذا التحول وفقاً لما يعرضه المنصب من ممارسة سلطوية على من هو دونه في التكوين الاجتماعي.

وقد أدى التغير في مفهوم اختيار الملك إلى ظهور انماط للحكم استخدمت القوة لاخضاع المدن الأخرى وتوسيع النفوذ. وتعد مملكة كيش نموذجا لذلك، وهكذا فقد ظهر مفهوم الحكم المطلق ونمط جديد للسلطة غدت القوة العسكرية أحدى أركانها (60) وبهذا فأن الديمقراطية البدائية قد زالت لسببين الأول هو إن الديمقراطية كانت تلائم مناطق صغيرة ومجتمعات تربطها مصالح مشتركة ووجهة نظر واحدة ولا يمكن أن تجتمع في أكثر من مدينة فضلاً عن تناقض المصالح الإقليمية للمناطق المختلفة.

ويذكر جاكوبسون ان الطبيعة البدائية المفرطة للديمقراطية جعلتها غير قادرة على تنظيم لقاءات منظمة بين الناس و بين المجالس لأيجاد سياسات طويلة الأمد، ولهذا فقد افتقرت الى أساليب وممارسات ديمقراطية كالتصويت على أساس الأكثرية مثلا ‘فكانت مؤسسة ضعيفة مما سهل تجاوزها من قبل الحكام (61).

السبب الثاني هو تنامي قوة الملك بعد أن أصبح له أتباعه يعيشون معه في قصر خاص بهم يطيعونه طاعة عمياء فانعزلوا عن أهل المدينة في ولائهم. وبما أن الملك قد أصبح يملك قوة ونفوذ فقد أستخدم تلك القوة للوصول الى أهدافه وطموحاته وتوسيع نفوذه بدلا من اللجوء الى الاتفاق.(62)

ونجد صورة هذا التغيير الى السلطة الملكية وتنظيماتها مؤكدة في سجلات قصر مدينة(شروباك)‘وحسب ما تذكره هذه السجلات كان هناك عدد كبير من الأشخاص يعيشون في القصر فكان هناك أكثر من 144 ساقيا و133 موسيقيا ومغنيا و 65 طباخا فضلا عن الكثير من الحرفيين (63).

وعند مقارنة بناية القصر البسيط بهذا العدد يمكن الاستنتاج أن السجلات لا تمثل الناس الذين عاشوا في القصر فقط بل كانت عبارة عن سجلات تنظيم عسكري وكان القصر يخدم اغراضه العسكرية (64)

أن المفهوم الجديد لنظام الحكم المطلق و المتصف بالطابع الديني أطلق عليه في علم السياسة مصطلح النظرية الدينية (الثيوقراطية) من حيث مشروعية السيادة التي تتمتع بها الدولة (65)  حيث يذهب دعاة الأتجاه الثيوقراطي في تحليل مشروعية قيام الدولة نحو الدين اذ يرد كل الظواهر الأجتماعية والسياسية والقانونية الى القوى الغيبية العليا ‘وتعمل هذه النظرية على تقديس السلطة العامة باعتبارها جزء من هذه القوة تمنح للحكام‘ وبهذا فأن قيام الدولة وأصل مشروعيتها هنا ضمن النظام المقدس غايته تحقيق الاجتماع البشري (66) حيث أن الملوك نواب الالهه في الحكم(67) أو (خلفاء الله والمشرفين على عبادة)(68)، أذن فأن النظام الحكم في العراق القديم قد أستند الى ألهي لتقوية دعائم السلطة في البلاد(69) وهذا ما يسمى بالتفويض الإلهي أو الحق الالهي في الحكم. ولما كانت الملوكية شئ مقدس ودين نابع من ارادة الالهة كان لابد لرجال الدين في العراق القديم ان يضعوا جملة من التبريرات توضح للناس الأصل الألهي للملوكية، وتحافظ على أستمرار بقاء هذا المفهوم في العصور المتتالية وذلك من خلال الأساطير والتراتيل الدينية التي وظفت لخدمة هذا المعنى ‘ولكن هنا نسأل ماهي تلك التبريرات، الموجودة في الفكر الديني ‘والمبررة للنظام السياسي في بلاد وادي الرافدين؟ 

كان الأعتماد السائد أنذاك بأن الملوكية قد وجدت في بادئ الأمر في السماء وهي شيئ يخص الالهه، وقبل أن تنزل مع بقية رموز الحضارة (me) بشكل عيني ألى الأرض، كانت مودعة في أيدي الألهة (70) .

ونجد أن شارات الملوكية قد وضعت بعيدا عن العالم الانساني كما ورد في النص الأسطورة:

" الصولجان والتاج وعصا الحكم كانت لاتزال موضوعة أمام أنو في السماء

ولم يكن شخص يقوم بنصح شعبه بالملوكية عند ذاك هبطت الملوكي من السماء"

وعليه فأن الملوكية شيئ مقدس في نظر القوم لأنها نزلت من السماء وهبطت في مدينة أريدو لأول مرة كما ورد ذلك في جدول الملوك السومرية (71) ؛ وكما يبدو فأن الملوكية قد عادت الى السماء أثناء الطوفان وهبطت مرة أخرى في مدينة كيش (72)

وتشير قصة الطوفان السومرية الى أن الملوكية وشاراتها كانت في السماء اذ يذكر النص:

" عندما نزل التاج العظيم وعرش الملوكية من السماء" (73)

ومما يشير الى ان أصل النظام الملكي ألهي ومقدس هو ان جداول الملوك السومرية قد نسبت سنوات حكم طويلة جدا الى ملوك ما قبل الطوفان وأشارت إليهم باعمار وسنوات حكم طويلة مقارنة بملوك ما بعد الطوفان الأمر الذي يشير الى اعتقاد القوم بقدسيتهم (74)، فضلا عن الطابع الأسطوري الذي به نظام الحكم الملكي في تلك لفترة (75).

أعتقد العراقيون القدماء أن البلاد ملك للالهة أو الاله والخاص بالمدينة وان مصير البشر وحكمهم بيدها، ولكن الالهه لا تحكم البشر مباشرة بل تفوض الملوك والحكام لينوبوا عنها في حكم البشر(76) ؛ أذن فالإله لم يكن يملك كل شيئ فحسب وأنما كان يشرف على ادارة المجتمع وتنظيم أموره على أساس ثيوقراطي تشرف الدولة على كافة وسائل النتاج ليكون في خدمة الأله ، ويتم ذلك_كما قلنا بواسطة نائبه المفوض منه في ادارة المجتمع و الدولة (77).

بعد انتهاء عصر فجر السلالات ومجيئ سرجون الأكدي، نرى ان الملكية التي كانت تستمد قوتها من الاله قد زالت ‘وتحولت الدولة السومرية الثيوقراطية الى الدولة مركزية تخضع لسلطة الأمراء(78) ، وأصبح الصراع بين القصر والمعبد واضحا لصالح البيت الحاكم الا ان سرجون الاكدي رغم سلطته الواسعة لم يتخل عن العامل الديني كركيزة اساسيه في حكمه(79) ،إذ نقرأ في أحد النصوص:.

" سرجون ملك أكد . المعتنى به من قبل عشتار "(80)

ونجد منذ عهد سرجون آيضاً إن الملوك زجوا كريماتهم في معابد المدن بصفه كاهنه عظمة أو كعرائس للالهه‘ وقد كانت الغاية من ذلك هو توثيق العلاقة بين المعبد والبيت والحاكم والتي تصب لصالح منصب الملك من ناحية الدينية من جانب آخر(81).

ومن مظاهر ربط النظام الملكي الاكدي الموحد بالطبيعة الإلهية ما اشار اليه سرجون الاكدي بكونه يحكم بتفويض من الاله انليل، وانه تسلم سلطته كملك على بلاد سومر وأكد بقرار من مجمع الالهه باعتبار ان حكم بلاد سومر واكد لا يمكن ان يتم إلا بقرار من مجلس الالهه والتي غالبا ما يصدره الاله انليل ويشرف على تنفيذه ؛ وبذلك فان نظام سرجون الجديد الذي نشأ على أنقاض نظام الدولة السومرية الاشتراكي(82) ؛ كان نظام ملكياً مطلقاً وذو صبغة دينية ايضاً  إلا انه يتجاوز العرف السومري القديم(83) .

 أخذ الملوك الأكديون بعد سرجون يحاولون وضع اسس لنظرية جديدة للحكم تنسجم مع اتساع سلطة الملك ونجاح الاكديين في توحيد العراق وتأسيس أول إمبراطورية في تاريخ العالم ؛ونقصد هنا مسأله تالية الملك وخصوصاً منذ عهد الملك (نرام سين) الذي لقب نفسه بـ (اله أكد)(84).

ولو تتبعنا مسالة تألية الملوك العراقيين قبل هذه الفترة (ما قبل سرجون) نجد ان قائمة الملوك السومرية كانت قد احتوت على اسم الملك (دموزي) ويؤكد ذلك ما ورد في النص:.

"…وامعنت في النظر للناس كلهم واختارت من بينهم (دموزي) لألوهية البلاد "

وهذا يدل على ان الملك دموزي كان ملكاً دنيوياً وأنه صار الهاً عندما اختارته الالهه(اينانا)(85) .

اما في الفترة اللاحقة للطوفان فيبدوا ان التأليه ظهر بشكله الاول في عصر فجر السلالات وقد مثل الملك كلكامش نموذجاً لهذه الصورة فقد عثر في مدينة شروباك على ختم يضم اسم الملك الأكدي (شار كالي شري) وفيه صورة كلكامش وعلى راسه القرون التي عدت من شارات الألوهية(86)  .

و يبدو ان الملك الاكدي نرام سين قد نفذ ذلك الامر وادعى الألوهية على صعيد رسمي لما امتلكه من قوة تضاهي جده سرجون . لذا فقد تصدر كتابة اسمه العلامة الدالة على الألوهية وظهرت صورته على مسلة النصر وهو يلبس الخوذة الحربية ذات القرون(87) وقد سار على نهجه هذا عددا من خلفاءه من الملوك(88) .

 ومن الإجراءات الاخرى اتخذ لقب (ملك الجهات الاربعة) وكان قد اتخذه قبله سرجون لما يمثله من مظاهر الاتساع السلطة و السيادة (89)، ومن المعروف ان هذا اللقب كان خاصاً ببعض الالهه العظام مثل(ان ‘انليل‘ شمش) بصفتهم أسياد الخليقة والكون حسب اعتقاد القوم آنذاك .وبأتخاذ هذا اللقب صار لهم ممثلين في الاقاليم التابعة واصبح حكام المدن يلقبون انفسهم بـ(عبد الملك) وهو العرف الذي استمر في العهود التالية(90).

وفي عصر الانبعاث السومري نجد ان ملوك سلاله اور الثالثة قد اتخذوا لقب (ملك سومر واكد) ولقب (ملك الجهات الاربعة) بالاضافة الى القابهم الخاصة (91) وقد استعملت صفة الملك المؤله منذ عهد الملك (شولجي)، فخصصت المعابد والكهنة للملوك (92) وكانت القرابين تقدم الى تمثال الملك شولجي مرتين في الشهر(93) ‘وحتى بعد مماته كانت القرابين تقدم الى قبره الفخم(94). وكذلك نجد ان الملك (امارسين) قد أله نفسه ايضاً ووضع لنفسه التراتيل التي تشير بانه اله الشمس الذي يهب الحياة الى البلاد واُقيم فوق قبره معبداً لتقديم القرابين له(95) .

وفي العهد البابلي القديم سار الكثير من ملوك سلالات هذا العهد من قبل سلالة ايسن التي اخذت من سلالة اور الثالثة في القابهم ونظام حكمهم الملكي المتأله فنظمت لهم التراتيل والادعية (96). اما حمورابي فانه لم يشد عن القاعدة عندما أسمى نفسه (اله الملوك) (97) ومع ذلك فانه لم يدعي بانه اله كنرام سين مثلا ولم يبن المعابد لنفسه ولم يكتب اسمه مقروناً بالعلامة الإلهية ولم يلبس التاج المقرن (98).

هناك عدة تفسيرات حول انتقال نظام الحكم الملكي من كون ان الملك نائب عن الاله الى كون الملك اله. فهناك من يعزي هذا التحول الى الاصل الديني للنظام الملكي(99) ومنهم من يرى ان تغير طبيعة اعمال الملك والدور الذي يقوم به اصبح مماثلا لدور الالهه في نظر رعاياه لانه اصبح مسؤولا عن تنظيم الناس وحياتهم وجميع شؤونهم(100)، في حين يعلل الدكتور فوزي رشيد سبب تأليه بعض الملوك انفسهم الى اشتراكهم في الزواج المقدس(101).

كما ان الاطفال المولودين عن طريقة هذا الزواج كان يسمح لهم بتأليه أنفسهم كونهم ولدوا من ابوين تقمصا شخصية الاكنة ساعة تكونهم ولهذا السبب ان الدكتور يعتقد ان حمورابي قد منع الكاهنات اللاتي مارسنّ طقس الزواج المقدس من إنجاب الاطفال ‘ لمنع حدوث مشاكل للسلطة السياسية وذلك بادعاء الابناء فيما بعد بالألوهية لأنفسهم و بالتالي المطالبة بالحكم(102).

وهناك من الأدلة ما يؤيد رأي الدكتور فوزي رشيد؛ منها ان ام سرجون الاكدي كانت كاهنة عليا وهناك ملوك اعلنوا بأن الالهه اصطفتهم وقد يكونون ابناء كاهنات عليا تقمصنّ شخصية الالهه إينانا (عشتار) في عملية الزواج المقدس(103) وفي نص للملك اياناتم ورد فيه:.          " اياناتم امير لكش… المرضع بالحليب من قبل الالهه ننخرساك"(104)

ويذهب البعض الى ان فكرة التأليه كانت نتيجة لأتساع رقعة الدولة وصعوبة سيطرة السلطة المركزية على الاجزاء المترامية، وذلك لان النظام الملكي المؤله يمكن للملك تعيين نواباً ينوبون عنه في حكم الاقاليم وانهم سوف يطاعون مثلما اطيع هؤلاء في عصر فجر السلالات باعتبارهم نواباً للالهه ‘ ومع ذلك فقد بقى بعض الحكام محتفظين بمراكزهم في الجزء الجنوبي من بلاد بابل في عهد الامبراطورية الاكدية بشكل يتلائم مع تقاليد الحضارة السومرية التي لم ينسوها ملوك اكد على ان يدفع هؤلاء الاُمراء الجزية الى القصر في اكد العاصمة كجزء من صورة التبعية آنذاك(105).

ان جميع الآراء المطروحة حول فكرة التأليه صحيحة وتكون متقاربة آحياناً، ومع ذلك فان هذه المرحلة كانت حالة خاصة مرت بالنظام الملكي تحكمت بوجودها عدة اعتبارات حيث ان الملوك لا يمكن ان يصلوا درجة الالهه لنقصهم الكثير من السمات الإلهية منها الخلود والقدرة المطلقة فضلاً عن ان الملوك ظلوا راعين للناس نيابة عن الالهه (106).

وإذا كان عامل القوة والاتساع بالسلطة مبرراً لنشوء فكرة تالية الملوك‘ فأن ذلك لا يتفق مع واقع الدولة الاشورية الأكثر اتساعا في تاريخ العراق القديم كما ان الفكر السومري والاكدي لم يستطع تقبل وصول الإنسان لمستوى الألوهية لان النظام الالهي والنظام البشري بقدر ما كانا متداخلين كانا متمايزين بالوقت نفسه كما يقول الأستاذ رينيه لابات(107).

ثانياً : المركزية السياسية و الإدارية:.

يمكن ان تعد المركزية من أساليب القيادة التي تعني بالطريقة السياسية والإدارية المحددة لشكل السلطة في الدولة (108) حيث يتضح فيها شكل السلطة(109)، داخل كيان الدولة عن طريق معرفة شكل الوسائل المستخدمة في تحقيق أهدافها ‘ إذ أن القوانين والأوامر السياسية والإدارية ليست من خلق إرادة واضعيها بل تحتمها الظروف المحيطة بالسلطة(110).

وقبل الحديث عن الاسلوب المركزي المتبع في العراق القديم، يجب التميز وضمن إطار الدولة الموحدة بين المركزية السياسية من جهة والمركزية الإدارية من جهة أخرى . وفي الواقع إن التميز بين هذين الأسلوبين يكمن في نقطة واحدة وهي إن المركزية السياسية تمثل احتكار مركز القوة في الدولة لمظاهر السلطة السياسية وامتيازاتها ومن ثم احتكار سلطة الأمر الذي يعني الانفراد بالسلطة العامة ‘أي سلطة صياغة القرارات وأمر تنفيذها (111) وبالتالي فان المركزية الإدارية ما هي إلا سلطة جزئية تابعة للسلطة المركزية السياسية (112)  .

سبقت الإشارة الى ان مجالس المدن في العصر الشبيه بالكتابي كانت تختار احد اعضائها وتنيط به مهمة الأشراف على إدارة المدينة وما يتبعها من الأراضي ‘كما كان يتم اختيار قائد عسكري في وقت الازمات والحروب فكان ذلك إيذاناً بانفصال الأمور الدينية عن الأمور السياسية ‘وكذلك ظهور الـ (انسي ENSI ) الذي تولى مهمة التنسيق في الدولة الحديثة بما فيها شؤون المعابد وأمرة الجيش ‘ وعندما ازدادت سلطة الإنسي وفرض سيطرته على مدن أخرى أتخذ لقب (لوكال  LUKAL) يتبعه عدد من الحكام الذين يحملون لقب انسي سبق ان عينهم الملك ليساعدوه في إدارة المدن التابعة له (113) .

إذن فقد كان الملك في العراق القديم يقف على رأس الهرم الإداري وقد كانت توجهه اسباب اضطرارية مختلفة نحو المركزية ‘ وكان عليه أن يسعى لوحدة المدن والأقطار التي تنطوي تحت سلطته ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بوجود إدارة مركزية قوية تقوم بمراقبة الأقاليم التابعة للعاصمة (114) .

إن الخبرة الإدارية التي تتمتع بها سرجون الأكدي من خلال حياته التي قضاها في كيش (115) جعلته ينظر الى المدن التابعة له نظرة صحيحة ‘إذ جعل هذه المدن تتبع مدينة (أكد العاصمة) إدارياً وسياسياً وعسكرياً (116) وذلك من خلال فرض المركزية الإدارية والسياسية على البلاد وقد تمثل ذلك في هدم أسوار المدن السومرية لتحقيق الاستقرار ومنع حدوث ثورات داخلها؛ كما عين أتباعه من مواطنين أكد في المناصب العليا للدولة وأخذ أعضاء الاسر المحلية كرهائن الى عاصمة أكد (117).

ومن أجل ربط المدن السومرية نحو مركزية أكد أخذ سرجون الأكدي بتوحيد التقاويم لكل المدن وإيجاد تقويم لكل المدن الخاص بالإمبراطورية الأكدية ويعتمد في تسمية الأشهر على التسميات الآكدية (118)  بعد أن كانت كل مدينة تعتمد تقويماً خاصاً بها (119)  وأخذ أتساع نفوذ السلطة السياسية في عهد سرجون الأكدي وتعزز طابعها المركزي شكلاً أخر وهو إدخال اسم الملك في العقود القانونية الى جانب اسم الأله .كما اصبح القضاة مجرد موظفين يعينهم الملك بنفسه بعد أن كانوا محكمين يختارهم المتخاصمون من الوسط الديني ( المعبد ) ؛فضلاً عن أن قرارات القضاة اصبح واجب الالتزام بها كونها تحمل صفة الملوكية (120)  .                

مع ذلك كله فان الادارة المركزية في عهد الملوك الاكديين الاوائل كانت هشة في بعض مراحلها، فقد حصلت عدة حركات تمرد ضد السلطة او تذكر النصوص ان حركات التمرد قد حدثت ضد سرجون في الداخل والخارج ولكنه استطاع ان يقضي عليها. كما حيكت المؤامرات ضد ريموش ومانشتوسو خليفتي سرجون اللذان قتلا بسبب تلك المؤامرات (121).

ويبدو ان الملك القوي نرام سين قد استعاد القوة المركزية وتبعية المدن السومرية الى مدينة اكد من خلال احياء الاجراءات التي اقامها جده سرجون ، فكان اول شيء قام به من اجل تعزيز الطابع المركزي للدولة هو الاعتماد على اتباعه والمقربين في حكم الولايات التابعة له ، ولكنه في الوقت نفسه لم يسمح لهم باعتبار انفسهم حكاماً دائمين لهذه الولايات وبذلك فقد سد الطريق امامهم في جعل الحكم وراثياً على تلك المناطق(122)؛ الامر الذي اشعرهم بانهم مجرد موظفين تابعين للسلطة المركزية في اكد وهم في الوقت نفسه عرضة للتغيير في حالة عدم تأدية واجباتهم بالشكل المطلوب (123) .

ونجد الامر نفسه بالنسبة الى القضاء، فقد فصل نرام سين القضاء عن السلطة التنفيذية الموجودة في الولايات حيث اخذت المحاكم تحكم باسم السلطة المركزية وفقاً لقوانينها وبدون تأثير من حكام الولايات على عملية اصدار الحكم وهذا الأجراء بلا شك يمنع حكام الولايات من الاستبداد في تصريف شؤون ولايتهم (124).

في عهد سلالة اور الثالثة اصبحت الادارة والسياسة المركزية اكثر وضوحاً، فقد تعاظمت سلطة الملك وارتبطت الاقاليم بالعاصمة المركزية حيث كان يحكمها حكاماً يعينهم الملك، وتشير النصوص الى اسماء بعض هؤلاء الحكام مثل حاكم مدينة اشور المسمى (زريقم) الذي عينه الملك شولجي حاكماً على بلاد اشور (125).

وكان الإداريون المحليون من الحكام المدنيين خاضعين للملك وقد فصل ملوك هذه السلالة (اور الثالثة) الادارة المدنية عن الادارة العسكرية وحددوا سلطة الانسي وجعلوه مواطناً تابعاً للملك، إذ كان يتم نقله من مدينة لاخرى خوفاً من تكوين قاعدة شعبية له تقوي مركزه في الدولة، فكان ذلك سبباً في الحد من حركات التمرد ضد السلطة المركزية (126).

ومن الاجراءات الإدارية التي ابتكرت في عهد سلالة اور الثالثة من اجل تقوية النظام المركزي، ما يعرف بالزواج الدبلوماسي مع حكام المناطق فالملك اورنمو كان متزوجاً من ابنة الملك مدينة ماري (تل الحريري) ، وزوج خلفاءه بناتهم لحكام المناطق الجبلية . وبالرغم من ان هذه السياسة لها تأثيراً في تقليل ثورات الحكام وتمرداتهم الا انها لم تمنع بعضهم من شهر سلاح الثورة ضد السلطة المركزية (127).

بعد سقوط سلالة اور الثالثة في 2006 ق.م ظهرت الفوضى في البلاد بشكل ملحوظ غابت خلالها معالم المركزية وظهرت سلالات حاكمة في ارجاء بلاد الرافدين استقل بعضها عن الاخر مثل سلالة آيسن وسلالة لارسا وسلالة بابل الاولى وسلالة ماري وسلالة شمشي أدد الاول في بلاد اشور (128) فكان من ميزات هذا العصر هو الخروج عن طاعة الملك وانتفاض الحكام التابعين للملوك. ويشير احد نصوص العصر البابلي القديم ما نصه :-

                              " سيطرد سكان المنطقة محافظهم " (129).

وهذا يعبر بوضوح مدى الارتباك والفوضى السائدة في هذه الفترة . ومع مرور الوقت اصبحت بعض السلالات الحاكمة قوية ومتميزة عن غيرها ، اذ اخذت تدير المناطق التابعة لها بشيء من المركزية وهذا ما نجده عند الملك ( ريم سين ) ملك لارسا والملك شمشي أدد الأول ملك اشور (130).    

على أن الأخير أستطاع ان يبرز بأدارته المركزية القوية من خلال القوة العسكرية التي تتمتع بها والتي أستطاع أن يخضع بها المناطق الجنوبية لبلاد أشور بما فيها بدو الصحراء (131).

ولتأكيد الطابع المركزي لدولة شمشي او عين ابنه (اشمي داكان) حاكماً على المناطق التي تقع على نهر دجلة جنوب بلاد اشور ن في حين عينه ابنه الثاني (يسمح ادد) حاكماً على مدينة مـاري (132) ويضم ارشيف مدينة ماري عدد من الرسائل المتبادلة بين الملك وابناءه المتعلقة بادارة البلاد ومشاكلها العسكرية والاقتصادية والتأكيد على وحدة البلاد وضرب المتأمرين على الملك او الدولة اينما وجدوا (133). وهكذا نرى ان الملك الاشوري شمشي اود وأبناءه قد اهتموا بادارة شؤون البلاد وتنظيم اقتصاده وعلاقة الدولة بالممالك المجاورة.

اما الملك حمورابي فقد كان ادارياً مركزياً من الطراز الاول اذ استغل حالة الفوضى وعدم الاستقرار الكامل واخذ يحاول توحيد البلدان تدريجياً مستفيدا من اسلوب من سبقه وعاصره من الملوك (134). ففي بادئ الامر اراد ان يقضي على قوة ملك لارسا ( ريم سين ) بعد ان شعر بقوة تواجده العسكري في البلاد (135)، وهذا ما لا يتجانس مع طموح حمورابي  باقامة دولة مركزية قوية كان لا بد من وضع حد لحكم ملك لارسا ، ولهذا فقد تحالف مع زمري لم ملك مدينة ماري مؤقتاً وما ان تمكن حمورابي من القضاء على ملك لارسا حتى قام بعدها بالقضاء على جميع السلالات بما فيها مملكة ماري وأشور مؤسساً بذلك دولة مركزية قوية عاصمتها مدينة بابل (136).

ويبدو ان الملك حمورابي قد ايقن بانه لا يمكن تثبيت اركان حكمه الا باقامة ادارة مركزية قوية تستند الى شخص الملك وكبار موظفيه، لذا فقد كان حمورابي ملماً بجميع احوال مملكته المترامية من خلال مراقبته الشديدة لموظفيه (137).  وقد ظهر ذلك من خلال المراسلات مع كبار موظفيه وحكامه في البلاد (138) والتي اظهر فيها حرصه على وحدة البلاد وضمان حقوق الافراد فيها.

ان الآلية المركزية التي اتبعتها حكومة حمورابي تمثلت بربط جميع الحكام بالعاصمة بابل وتحديد صلاحياتهم بقضايا بسيطة، فصارت كلمة (انسي) تطلق على الموظفين الذي يستمدون اوامرهم ليس من الملك مباشرة وانما من موظف يأتي بعد الملك بالترتيب الوظيفي (139) وذلك لكون ان منطقة الحاكم الإدارية كانت مقسمة عدة وحدات يتبع بعضها البعض من خلال الترتيب الإداري للموظفين (140).

ومن الامور التي كان من شأنها تعزيز الطابع المركزي او انها كانت نتيجة للمركزية السياسية والادارية، هو تعالي مركز الاله (مردوخ) إله مدينة بابل والذي صار الهاً مركزيا لجميع الالهة في ذلك الوقت (141). وقد ترتب على ذلك اعادة كتابة الاساطير بما يلائم مع الوضع السياسي الجديد في بلاد بابل . فكان الاعلان عن سمو الاله مردوخ على باقي الآلهة بمثابة تعزيز النفوذ المركزي للحكومة السياسية في بابل (142).

ومن الطبيعي ان يقوم حمورابي بمراقبة عمل السلطة المركزية والاطراف التابعة له ، بل نراه في بعض الاحيان يحقق بنفسه الاداء الوظيفي لاتباعه من الحكام و الموظفين . ونجد في هذا المجال استدعائه للموظفين الى بابل للتحقيق في قضية رشوة قد ثبتت فعلاً عليهم (143) وقد بلغ من حرص حمورابي على ادارة دولته المركزية ومحاسبة موظفيه انه صرح بالقول :-

              " اني لم ابق المسؤولين على قيد الحياة " (144).

مع انتهاء عصر حمورابي بدأت الادارة المركزية بالانهيار تدريجياً فقد اوصى الملك البابلي (امي صدوقا) – وهو من خلفاء حمورابي -  بضرورة احكام اغلاق ابواب مدينة بابل مما يدل على تردي الاوضاع الامنية في عصره (145) واخذ منصب (الانسي) يضعف وتنخفض معه صلاحياته وانتقلت مسؤولياته الى موظفين الملك مثل رابيانوم rabianum  (المحافظ) وخزانو hazanum (الرئيس) (146) .

_______________

(1) شمران حمادي : مبادئ النظام السياسي ، القاهرة ، 1966 ، ص9 .

(2) ثروت بدوي : النظم السياسي ، دار النهضة ، القاهرة – 1962 ، ج1، ص5 .

(3) على الرغم من وجود امبراطوريات في الشرق الأدنى القديم مع التنظيم الكبير فيها الا ان الكثير ينكرون على تلك الامبراطوريات صفة الدولة ويسمونها أمارات أو ممالك بحجة افتقارها إلى التنظيم السياسي كما هو في الوقت الحاضر ينظر

Marcel Prelot : Institions Politiqhes . Dalloz. 1957 . P.5.

نقلاً عن ثروت بدوي : النظم السياسية ص22 .

(4) عامر سليمان ، فاضل عبد الواحد علي : عادات وتقاليد الشعوب القديمة ، ص43 .

(5) طه باقر وآخرون : تاريخ العراق القديم  ج2 ، ص45 .

(6) عامر سليمان : العراق في التاريخ القديم ن، ج2 ، ص19 .

(7) جورج رو : العراق في التاريخ القديم ، ص181 .

ارنولد توينبي  : تاريخ البشرية ، ج1 ، ص74 .

اندرية ايمار : الشرق واليونان القديمة ، ص126 .

(8) نجيب ميخائيل ابراهيم : مصر والشرق الأدنى ، ج1 ، ص23 .

    سامي سعيد الأحمد : السومريون . ص326 .

(9) جورج رو: العراق القديم ، ص181 – ص182 .

    عامر سليمان : العراق في التاريخ القديم ، ج2 ، ص20 .

(10) كان السومريون يعتقدون بأن الآلهة عندما خلق الأرض خصصت لكل إلة  من الالهه الرئيسية مدينة تضم معبدة الخاص . انظر صموئيل نوح كريمر : السومريون ، ص100 هامش لمترجم .

(11) ارنولد توينبي  : تاريخ البشرية ، ج2 ، ص74 .

(12) سامي سعيد الأحمد السومريون ، ص32 .

(13) طه باقر : مقدمة في تاريخ الحضارات ، ج1 ، ص121 .

(14) جاسم محمد الخلف : جغرافية العراق ، ج3 ، القاهرة / 1965 ، ص41 .

(15) م . ن ، ص105 .

(16) عبد الرضا الطعان : الفكر السياسي ، ص216 .

(17) صموئيل نوح كريمر : السومريون ، ص81-89 .

(18) Jacobsen ; Th :”Primitive Democracy in Ancient Mesopotamia”   TNES.21943 ، P.P 159-172           

(19) محمد صالح الزيباري: النظام الملكي، ص 16

(20) Jacobsen ; Th :"Early political Development in Mesopotamia” in Toward the Image of Tammuz . Cambridge . 1970 . P.138 .

(21) Ibid : p.138.

(22) عبد الرضا الطعان: الفكر السياسي، ص228.

(23) Jacobson ; th : primitive Democracy . P.168 .

(24)  PSD : letter ( P ) .                                                                                                     

(25) فاضل عبد الواحد علي: الطوفان في المراجع المسمارية ، بغداد ، 1975 ، ص3 وما بعدها .

(26) طه باقر ، بشير فرنسيس : قصة الخليفة مجلس سومر ، ع5 . 1949، ص1 و ما بعدها.

(27)  Jacobson ; Th : Primitive Democracy : P.P. : 169-170

(28)  Ibid : P.165 .

(29) Ibid : P.166

(30) أنظر النص الكامل للقصة، صموئيل نوح كريمر، من الواح سومر، ص81 – ص89.

(31) من الأعمال الاضطهادية التي كان يقوم بها كلكامش وربما بقية الملوك المعاصرين له ، الدخول إلى الفتاة في ليلة زفافها قبل زوجها ، فعلى الرغم من صفة المباركة التي كان يضفيها الملوك على الزوج في نظر القوم ، إلا أنه كان نوع من التسلط الاجتماعي يمارسه الملوك على رعيتهم . وما عملية خلق انكيدو الا استجابة لدعوة أهل الوركاء (اوروك) من قبل الآلهة كما ذكر النص ((وظل الأرباب يسمعون بكاءهن (نساء اورك) باستمرار فاستدعوا الآلهة (ارورو) ، انت خلقت هذا الرجل فاخلقي من يوازيه في شدة بأسه لكي تنعم الوركاء بسلام)).

انظر طه باقر : مقدمة في أدب العراق ، ص105 . وايضاً فاضل عبد الواحد : سومر اسطورة وملحمة ، ص186 .

(32)Heidel ، A the Gilgamesh Epic and old Testament . Chicago. 1970 . P.5

(33) Ibid : p.11.

(34) محسن العبودي : الاتجاهات الحديثة في القيادة الإدارية ، دار النهضة العربية ، القاهرة – 1972 ، ص56 .

(35) عامر سليمان : العراق في التاريخ القديم ، ج2 ، ص28 .

(36) ثروت بدوي : النظم السياسي ، ج1 ، ص23 .

(37) عبد الرضا الطعان : الفكر السياسي ، ص226-ص228 .

(38) عامر سليمان ، فاضل عبد الواحد : عادات وتقاليد ، ص43-ص44 .

(39) محمد علي مهدي ، دور المعبد في المجتمع العراقي ، ص133 .

(40) هاري ساكز : عظمة بابل ، ص57 .

(41) هزي فرانكفورت : فجر الحضارة ، ص91 .

(42) سيتون لويد: اثار بلاد الرافدين ، ص143 .

(43) اندريه آيمار : الشرق واليونان القديمة ، ص139 .

(44) Jacobson ; Th : Early political Development . P. 143 .

(45) هنري فرانفكورت : فجر الحضارة ، ص94 .

    عبد الرضا الطعان : الفكر السياسي ، ص228-ص229 .

(46) أندريه آيمار :الشرق واليونان القديمة ، ص139 .

(47) فوزي رشيد: قواعد اللغة السومرية ، بغداد ، 1972 ، ص51 .

(48) هاري ساكز : عظمة بابل ، ص67 .

(49) محمد صالح الزبياري : النظام الملكي ، ص15 .

(50) عن تلك الالقاب ينظر

hallo ، W : Early Mesopotamian Royal Tittles ، Newhaven ، 1957 . P. 3

(51) ينظر قصة الخليقة البابلية                                                                                                  

(52) عبد الرضا الطعان : الفكر السياسي ، ص231 .

(53) م . ن ، والصفحة .

(54) Jacobson ; Early Political development ; P. 144 .

(55) Ibi: P.145 .

(56) محمد صالح الزيباري : النظام الملكي ، ص21 .

(57) م . ن ، والصفحة .

(58)  Jacobson ; Th : Early Political Development ; P. 145 .

(59) عبد الرضا الطعان : الفكر السياسي ، ص233 .

(60) Jacobsen. PP. 145-1446 .

(61) Jacobson ; Early political Development.p.146

(62) I bid; p. 146.

(63) Ibid;p.147.

(64) محمد صالح الزيباري: النظام الملكي‘ص22

(65) محمد كامل ليلة: النظم السياسة ‘مطبعة بولاق مصر القاهرة.1967‘ص181

(66) طعيمة الجرف: نظرية الدولة، مكتبة القاهرة_1964‘ص59.

(67) ثروت بدري: النظم السياسية‘ص51.

(68) عادل هاشم علي: الخطاب السياسي العباسي، رسالة ماجستير غير منشورة جامعة البصرة كلية الأداب‘2001‘ص80_ص81.

(69) أندرية آيمار: الشرق و اليونان القديمة‘ص139.

(70) جورج كونتينو: الحياة اليومية‘ص209.

(71)  أنظر قائمة الملوك السومرية في: صموئيل نوح كريمر : السومريون‘ص473.

(72) م.ن.‘ص474.

(73) فاضل عبد الواحد علي: الطوفان‘ص119_ص120.

(74) عبد الرضا الطعان: الفكر السياسي ‘ص288.

(75) طه باقر: ملحمة كلكامش‘ص53.

(76) طه باقر: مقدمة في التاريخ الحضارات ‘ج1‘ص383.

(77) خليل سعيد: معالم من حضارة وادي الرافدين‘ص63.

(78) م.ن.‘ص65.

(79) Frank fort. H. King ship and the Gods.p.226.f 

(80)  محمد الزيباري: النظام الملكي‘ص30.

(81) خليل سعيد: معالم من حضارة وادي الرافدين‘ص65.

(82) عبد الرضا الطعان: الفكر السياسي‘ص385.

(83) ستيون لويد: اثار بلاد وادي الرافدين‘ص63.

(84) ل . ديلا بورت: بلاد ما بين النهرين‘ص78.

(85) فاضل عبد الواحد علي :عشتار و مأساة تموز‘ص39 _ص40.

(86) طه باقر : ملحمة كلكامش ‘ص32.

(87) انطوان مورتكات: الفن في العراق القديم‘ص179.

(88) خليل سعيد: معالم من حضارة وادي الرافدين‘ص66.

(89) Barton; G: The Royal inscription of sumer .p.101.

(90)  Hallo; Early Mesopotamia Title.p.22.

(91) طه باقر: مقدمة في تاريخ الحضارات ‘ج1‘ص387.

(92) انطوان مورتكات: تاريخ الشرق القديم‘ص106.

(93) طه باقر : مقدمة في تاريخ الحضارات‘ج1‘ص387.

(94) م.ن.‘ الصفحة.

(95) طه باقر: مقدمة ‘ج2‘ص390.

(96) خليل سعيد : معالم من حضارة وادي الرافدين‘ص69.

(97) عبد الرضا الطعان : الفكر السياسي ‘ص41.

(98)  محمد الاعظمي : حمورابي ‘79.

(99) ليو اوبنهايم :بلاد ما بين النهرين‘ص102

(100) جان بوتيرو وأخرون : الشرق الأدنى ‘ص117.

(101) فوزي رشيد: المعتقدات الدينية ‘حضارة العراق‘ج1‘ص183.

(102) فوزي رشيد : السياسة والدين‘ص45.

(103) محمد صالح الزيباري: النظام الملكي ‘ص57.

(104) م. ن. ‘الصفحة.

(105) انطوان مورتكات : تاريخ الشرق القديم‘ص93.

(106) طه باقر : مقدمة في تاريخ الحضارات‘ص398.

(107) نقلاً عن عبد الرضا الطعان : الفكر السياسي ‘ص411.

(108) محسن العبودي : الاتجاهات الحديثة في القيادة الإدارية ، ص256.

(109) إن مفهوم السلطة يشير إلى حق القائد في التصرف المستمد من الأحكام والقوانين حيث ان الطاعة لا تمنح الى الفرد و إنما للمنصب ذاته‘ عادل هاشم علي : الخطاب السياسي ‘ص110‘هامش رقم ـ3ـ .  

(110) محمد طه البدوي : أصول علم السياسة ‘ص175.

(111) م.ن.‘ص182.

(112) عادل هاشم علي : الخطاب السياسي‘ص112.

(113) هنري فرانكفورت : فجر الحضارة‘ ص95.

(114) عبد الرضا الطعان :الفكر السياسي ‘ص251.

(115) فوزي رشيد : نرام سين ‘ص15.

(116) لم تذكر المركزية الدينية لأنها لم تظهر بصورة واضحة في العهد السرجوني لأن سرجون لم يفصل تماماً بين الدين والسياسة كما فعل حمورابي .

(117) Oates ;j: Babylon ،London ،1970.p38.

(118) فوزي رشيد :نرام سين ‘ص97.

(119) عبد الرضا الطعان : الفكر السياسي ‘ص273.

(120) طه باقر وآخرون : تاريخ العراق القديم ‘ج2‘ص11.

(121) طه باقر : مقدمة في تاريخ الحضارات ، ج1 ، ص 363 – 369.

(122) محمد صالح الزيباري ، النظام الملكي ، ص 122

(123)  فوزي رشيد ، نرام سين ، ص 94

(124)  م . ن ، ص 95

(125)  م . ن ، ص 96

(126) طه باقر ، مقدمة في تاريخ الحضارات ، ج1 ، ص 390

(127) محمد صالح الزيباري : النظام الملكي ، ص 123.

(128) سامي سعيد الأحمد : نظام الحكم والأدارة ، حضارة العراق ، ج2 ، ص 23.

(129) للتفصيل ينظر : طه باقر : مقدمة في تاريخ الحضارات ، ج1 ، ص 411- 431  ؛ً

                     سامي سعيد الأحمد: العراق القديم‘ج2‘ص164-ص190.

(130) محمد صالح الزيباري : النظام الملكي ، ص123.

(131) عامر سليمان  ‘أحمد الفتيان: محاضرات في التاريخ القديم ‘ص61.

(132) سامي سعيد الأحمد: العراق القديم:ج2‘ص23.

(133) محمد صالح الزيباري : النظام الملكي ، ص 124

(134) م. ن ، ص 124 - 125

(135) هورست كلنغل : حمورابي ، ص 128

(136) سامي سعيد الاحمد : العراق القديم ، ج2 ، ص 171

(137) م . ن ، ص 174

(138) هورست كلنغل : حمورابي ، ص 128

(139) عن اهم هذه المراسلات ينظر : اكرم الزيباري : اهمية المراسلات في العهد البابلي القديم ، مجلة ما بين  النهرين ، ع 2 ، ص 128 - 130

(140) سامي سعيد الاحمد : نظام الحكم و الادارة : ص 23

(141) هاري ساكز : عظمة بابل ، ص 278

(142)  عبد الرضا الطعان : الفكر السياسي ، ص 26 - 267

(143) هورست كلنفل : حمورابي ، ص 129

(144) اكرم الزيباري : اهمية الرسائل والمراسلات ، ص 131

(145) محمد صالح الزيباري : النظام ، ص 128

(146) جان بوتير وآخرون : الشرق الادنى ، ص 204 .

 هاري ساكز : عظمة بابل ، ص 278

سؤال وجواب

التاريخ: 24 / أيلول / 2014 م 5050
التاريخ: 8 / تشرين الثاني / 2014 م 3122
التاريخ: 24 / أيلول / 2014 م 4612
التاريخ: 28 / أيلول / 2015 م 3746
التاريخ: 8 / تشرين الثاني / 2014 م 4546
شبهات وردود

التاريخ: 24 / أيلول / 2014 م 2006
التاريخ: 19 / تموز / 2015 م 2424
التاريخ: 13 / 12 / 2015 2139
التاريخ: 24 / أيلول / 2014 م 2059
هل تعلم

التاريخ: 3 / حزيران / 2015 م 1583
التاريخ: 3 / حزيران / 2015 م 1482
التاريخ: 9 / آيار / 2015 م 1640
التاريخ: 23 / تشرين الاول / 2014 م 1591

المرجع الإلكتروني للمعلوماتية هو موقع معلوماتي موسوعي شامل يحتوي على العديد من النوافذ الفكرية العلمية والإنسانية ، وخيارك الأفضل للبحث عن المعلومة الدقيقة المقتبسة من أمهات الكتب بوثاقةٍ وموضوعية .