بمختلف الألوان
"شكراً للأشواك، فقد علمتني الكثير" مقولة صرّح بها الفيلسوف والشاعر والروائي الهندي (طاغور)، وهي تُنبئ عن حقيقة لم تفارق كل من حفر مآثره على جبين التأريخ، فسنن الحياة متشابهة في جوهرها، وإن كانت تبدو بظاهرها مختلفة، ومن أظهر هذه السنن هي أن يجني الإنسان بقدر ما يسعى إليه، ووفق الحس والوجدان يكون... المزيد
الرئيسة / مقالات ثقافية
رفيق البعث (قصة قصيرة) ح-3 والأخيرة
عدد المقالات : 118
ذات مساء .. بينما كنت أراجع واجباتي اليومية في المنزل , طرق الباب , فإذا بالرفيق ابو رضاب:
- خيراً .. رفيقي ابا رضاب .. ماذا هناك ؟.
- ليس هناك الا الخير .
- حسناً .
- رفيقي .. تعلم ان يوم غد هي الذكرى السنوية لرحيل الرفيق المؤسس ميشيل عفلق .
- نعم .. غداً .. نعم .. هذا صحيح.
- سيقام حفلاً تأبينياً بهذه المناسبة ولابد لي من إلقاء كلمة في هذا الحفل المبارك .
- وما المطلوب مني ؟!.
- أريدك ان تكتب لي تلك الكلمة .. فأنت تفهم في كل شيء .. وانا لا اجيد سوى الالقاء .
- حسناً .. ومتى تريدني ان اكتب لك ؟.
- في هذه الليلة يجب ان تكون الكلمة جاهزة .. كي اتمرن عليها قبل صبيحة الغد.
- في الليل ستكون جاهزة .
تبادلنا التحايا الرفاقية وانصرف , أغلقت الباب وأسرعت نحو الورقة والقلم , وشرعت بالكتابة بطريقتي المعهودة غير المفهومة , لا أتذكر كل ما كتبت الا من جملتين او اكثر , فقد كتبت من جملة ما كتبته ( الشوفينية هي الحل الوحيد والانجع الانفع لحل جميع قضايانا المعاصرة , لا حياد عنها ولا بديل !) , فجاء الرفيق ابو رضاب ليلاً وسلمته الورقة , قرأها بشكل سريع , نالت اعجابه شكرني شكراً بعثياً رفاقياً , وانصرف , بعدها لم اره ولم يرني , لا أعرف ماذا حدث ؟ , لكنه أختفى .
ذات يوم كئيب , كما كانت كل ايام البعث كئيبة , توقفت عدة سيارات رفاقية امام المنزل , ألقوا القبض عليّ , واقتادوني الى مقر قيادة الفرع , أوقفوني في مكتب الذاتية , جردوني من كل أغراضي ومنها هويتي (هوية طالب) , ثم ادخلوني في ممر ضيق , وتوقفوا امام غرفة خاصة , طرق احدهم الباب , جاء الاذن بالدخول , أدخلوني , كان هناك شخص يقبع خلف المكتب , وواحد فقط يجلس في الجانب الايمن , يرتدي بدلة زيتوني (بدلة الرفاق المشؤومة) , واخرون بالزي المدني الى اليسار , وقفت بالوسط , حلّ احدهم وثاقي , وفي احدى الزوايا لاحظت وجود الرفيق ابو رضاب , لكن حالته لا تبشر بخير , فقد كان موثقاً وآثار التعذيب بادية عليه , استجمعت قواي مستعداً لأي سؤال طارئ , سألني الشخص على اليمين بكبرياء وعجرفة :
- هل تعرف ما هي الشيمفونية ؟!.
فهمت انه يقصد الشوفينية , فكرت قليلاً وقلت بصوت هادئ:
- لم يسبق لي ان سمعت بهذه العشبة .. رفيقي ..
حدق الجميع في وجوه بعضهم البعض , وقال مقاطعاً كلامي :
- أي عشبة !.
قلت له :
- رفيقي .. انا اعرف جميع الاعشاب المتداولة في المحافظة .. فمثلا هناك الكزبرة تستعمل في عدة مجالات علاجية كالتخفيف من الام القرحة وازالة عوارض ارتفاع الحموضة , وكذلك تعتبر الكزبرة فاتح للشهية وطاردة للغازات , كما وانها تساعد في هضم الطعام ونافعة جداً في حالات الامساك ...
لم اكمل كلامي قاطعني بشدة وبكل عجرفة:
- ماذا تقول أنت ؟ .
أستمر كلامي وكلي ثقة :
- كما وتعتبر الكزبرة من مطيبات الطعام ..
لم يسمح لي بالاستمرار :
- أسئلك عن الشيمفونية ؟!.
- حسناً .. رفيقي .. لا أعرف هذه العشبة .. سوف اسأل عنها لدى تجار الاعشاب في بغداد .. وان حصلت عليها سأجلب لك بعضاً منها .. الا اني اجهلها وأجهل استعمالاتها في الوقت الراهن .
بادر الجميع الى الضحك , وتوجه لي بالسؤال واحدا من اليسار بالزي المدني :
- ماذا تعمل انت ؟ .
- محل عطارية وأعشاب طبية .. توارثنا هذه المهنة أباً عن جد.
شرعوا بالسخرية مني وتبادلوا النكات , أثناء ذلك دخل رجلين بالزي الزيتوني احدهم يحمل عدة حبال , والاخر يحمل مجموعة من الهراوات (صوندات) , تركاها في مكان وأخذوا معهم الرفيق ابو رضاب , بكيل من السباب والشتائم وبعض الضربات , ثم دخل رجل ضخم الجثة , ابيض الشعر , مشمراً عن ساعديه , وحصل على الاذن من الرجل القابع خلف المكتب , وشرع بربط كلتا يداي الى ظهري , وأخر قام بتمرير احد الحبال من على المروحة السقفية , ثم بطحني ارضا وشرع بربط قدماي , بعدها ربط يداي بقدماي , وصنع عقدة لتعليقي بالحبل النازل من المروحة السقفية , وفجأة طرت في الهواء , وبدأت أرتفع عن الارض رويداً رويداً , على ارتفاع مترا او مترين لا اعرف , لاحظت هناك زجاجة ذات عنق طويل (بطل) في الزاوية خلف مكتب الرفيق الاكبر , فقلت في نفسي انهم سوف يستخدمونها في المرحلة الثانية , يجب ان أحسم الامر ها هنا , وان لا اسمح للأمر ان يصل الى تلك المرحلة الشائنة !.
تناول الرجال بالزي المدني الهراوات , وقف اثنان من على يميني , وواحد مع الرجل الضخم ذو الشعر الابيض على يساري , وانتظروا اوامر الرجل القابع خلف المكتب , الذي لم يتحرك قط , هذه المرة تحرك , فتح احد ادراج مكتبه وأخرج ورقة , فتحها ثم نهض , عرضها عليّ قائلاً :
- هل أنت كتبت هذه الورقة للرفيق ابو رضاب ؟ .
لا مناص للأنكار , فالخط خطي , لكن لابد لشيء من المراوغة :
- نعم .. الخط خط يدي ..
- حسناً .. أنك لا تنكر ذلك إذاً .
- رفيقي .. دعني أوضح لك الامر.
- أي امر ؟ .
- هذه الورقة جلبها لي الرفيق ابو رضاب وطلب مني إعادة كتابتها لأن خطه ليس جيداً وخط يدي جيد كما ترى .
تبادل الجميع النظرات , وغيًر ملامح وجهه الكالح :
- ماذا تقول ؟ .
- كما سمعتم رفيقي .
- هو الذي جلب الورقة لتعيد كتابتها بخط واضح .
- هذا ما حدث رفيقي .. حتى أني لم افهم شيئاً منها .. فأنا لست سياسياً .. ما أنا الا مجرد طالب بائس لا أكاد أفهم دروسي .. مع أني عطار ممتاز .
- حسناً هل اخبرك الرفيق ابو رضاب من أين جاء بها ؟ .
- على ما أتذكر ولأني لم أفهم ما كان مكتوباً سألته عن ذلك .
- وما كان جوابه ؟ .
- قال لي أنه استعان بشخص بارع في السياسة .. بعثياً , لكنه معارض للبعث الحالي .. اي بعثياً منشق .. ولا يعترف بكل المسميات البعثية الحالية .. واخبرني ان هذا الشخص لازال محتفظاً بالخط البعثي الصحيح الذي رسمه القائد المؤسس ميشيل عفلق .
- وهل أخبرك من هذا الشخص؟ .
- سألته .. رفيقي .. لكنه قال بكل تبجح وزهو (هذا سر) .
دار بينهم كلاماً وجدلاً , بين مصدق وبين مشكك بصحة ما سردت عليهم , أحد الاشخاص بالزي المدني أعتقد قائلاً:
- رفيقي .. اعتقد ان الرفيق ابو رضاب ينتمي الى تنظيم رفاقي سري معاد .. وأتهم هذا الشاب ليخلص نفسه ومن ثم يرمي التهمة في ميدان أخر كي يضللنا ويسلم هو ورفاقه البعثيين المنشقين .
- أتعتقد انه ورط هذا المعلق في هذا الامر كي ينفد بجلده ويتستر على رفاقه الانفصاليين الشعوبيين.
لدى سماعي بهذه الكلمات تظاهرت بالمسكنة , هنا تدخل الأخر بالزي المدني :
- تحقيقنا مع هذا الشاب مضيعة للوقت .. فلنتعجل بالتحقيق مع الخائن الحقيقي الرفيق ابو رضاب! .. ولنتحرك وبسرعة قبل ان يفلت أفراد التنظيم الانشقاقي!.
أستحسن الجميع مداخلته واستصوبوا رأيه , أسرعوا خارج المكتب , وطلبوا من الضخم ذو الشعر الابيض انزالي وفك وثاقي , ومن ثم إخلاء سبيلي , وانصرف الجميع .
بينما أنزلني , دخل شخص برداء زيتوني وتناول الحبال والهراوات ومضى , وعندما شرع بفك وثاقي , دخل رجل اخر , باحثاً عن الزجاجة ذات العنق الطويل (البطل) , أخذها وانصرف , وطلب مني الانصراف , فأسرعت خارجا , متوجهاً الى الذاتية حيث هويتي وأغراضي , بينما أنا في الممر الضيق الطويل , شاهدت الرجل يحمل الزجاجة ذات العنق الطويل (البطل) بزهوٍ وافتخار يدخل في غرفة ما , هرولت خوفاً الى مكتب الذاتية واستلمت هويتي وبعض متعلقاتي , وفجأة .. وبدون سابق إنذار , وبشكل لا إرادي هرولت قدماي مسرعةً الى الخارج , بعد ان سمعت صراخ الرفيق ابو رضاب يتردد صداه في الممر الضيق الطويل .
لابد أنهم قد .... !.



حيدر الحدراوي
اعضاء معجبون بهذا
جاري التحميل
ثقافية
عدد الاعجابات بالمقال :0
عدد التعليقات : 0
منذ 3 ايام
2019/01/15م
زيد شحاثة في حروب عصر ما قبل التكنلوجيا والإنترنيت, كان يسهل تحديد من هو المنتصر في النزاعات, فالنتائج واضحة ولا تحتاج لتوضيح, والمهزوم يقبل بشروط المنتصر.. اليوم ومع كل هذا التداخل في النتائج, لم يعد تحديد المنتصر بهذه السهولة مطلقا. عندما بدأت "الحرب السورية" عام 2011, لم تكن حربا داخلية بالمعنى... المزيد
عدد المقالات : 35
عدد الاعجابات بالمقال :0
عدد التعليقات : 0
منذ 3 ايام
2019/01/15م
حقبة سوداء مظلمة مرت على العراقيين، لم يعرفوا فيها طعما لحياتهم غير المر، الممزوج بطحين يوزع عليهم، لايصلح حتى علفا للحيوانات .. من يعترض فسياط الجلادين تتلوى على كتفيه، وإن تمادى فسيوفهم تنزل على رقبته. ثمن الكلمة المعترضة قطع لسان قائلها على رؤوس الأشهاد، أناس تساق الى حفر الموت زرافات، الشعب... المزيد
عدد المقالات : 44
عدد الاعجابات بالمقال :0
عدد التعليقات : 0
منذ 3 ايام
2019/01/15م
بقلم / مجاهد منعثر منشد منذ قديم الأيام وهناك عقوبة دنيوية لمن يظلم أخر بأي شكل من أنواع الظلم: كأن يشي به أو يغتصب حقه، أو يشهد ضده شهادة زور وما شابه, وكذلك من يسرقون لا سيما الذين يتحجبون بغطاء الفضيلة، وتعتقد أنهم أنبياء نتيجة لقلقة اللسان وارتدائهم الظاهر الجميل , فهؤلاء الملاعين يظنون بأن... المزيد
عدد المقالات : 110
عدد الاعجابات بالمقال :0
عدد التعليقات : 0
منذ 4 ايام
2019/01/13م
المشاعرالمشاعر بقلم: زينة محمد الجانودي خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان على فطرة إلهيّة في خلقه، مبنيّة على مشاعر طبيعية إنسانيّة للتعايش مع أبناء جنسه بطريقة سليمة، ووضّح له طريق الحقّ وطريق الضّلال، وابتلاه بأنواع من البلايا لينظر إليه كيف يعمل، ثمّ حذّره من وساوس الشرّ والحقد وقساوة القلب التي... المزيد
عدد المقالات : 110
أدبية
عدد الاعجابات بالمقال :0
عدد التعليقات : 0
منذ اسبوعين
2019/01/01م
بقلم : مجاهد منعثر منشد لمحتها عيناي وهي سافرة الوجه تكشف عن أنيابها، تتمايل في مسيرها كأنها غزالة تخطف أبصار من حولها بسهام السؤال؟ تجذب الانتباه في حنينها وتدّعي السمو نحو العلا في علاقاتها وكأنها ملاك استقر على الأرض . مظهرها يسر الناظرين فإن قالت تسمع لقولها . أما عن حقوق الآخرين فلسانها كالرصاص... المزيد
عدد المقالات : 110
عدد الاعجابات بالمقال :0
عدد التعليقات : 0
منذ 3 اسابيع
2018/12/30م
ملائكة وشياطين.." قص بالرمز" العرش إعتلى "أعمى" العرشَ بحرْق اللحى والنقاب ، وخرْس الأصوات ، ودفْن الحقائق بتذرّيها عبر ممرات السحاب . هؤلاء هم للأسف الغزلان وشوادن الغزلان البشرية . وأوقد آتون المحرقة بأيادٍ غربية ، أُوقد بحفنة من دولارات ، وبعد قليل عاد كل دولار من حيث أتى بألف... المزيد
عدد المقالات : 9
عدد الاعجابات بالمقال :0
عدد التعليقات : 0
منذ 4 اسابيع
2018/12/23م
باحثاً أُحلق بجناح مرتعِش مختنقة ً أنفاسي تخرج من سَمِّ ضوءٍ جريح ٍ عبثا ً عيني تختبئ خلف جفنى المرقَّع بين خيوط السحاب الدامية أخترقُ أبحثُ عن طريد الأرض عن لائذ الأمس عن الحُبِّ على السماء.. الراعفة ..! أجده محتمياً في قلاعها... المزيد
عدد المقالات : 9
عدد الاعجابات بالمقال :0
عدد التعليقات : 0
منذ 1 شهر
2018/12/15م
بقلم / مجاهد منعثر منشد مَــــــرّتْ سنون في طياتهــــــا ضاعـــــت الأنسابا وفاض المتطفل بعلمهــــــــا وغــــــلق الأبـــــوابا والهيئة العليا للتحقيق أقــــــرت الأمـــور استتابا فــــتصدت للــــــمكذبين المــــدعين للنبي انتسابا رجــــــــالها دأبهُمُ... المزيد
عدد المقالات : 110
علمية
الكثير من الاشخاص يعتقدون أن الكثرة في ممارسة الرياضة من خلال زيادة المجهود يؤدّي إلى سرعة إنقاص الوزن ولكن اثبتت الدراسات على أن ممارسة أي نوع من الرياضات الهوائية (المشي أو الركض أو صعود الدرج أو ركوب الدرّاجة أو السباحة) لمدّة 30 دقيقة او اكثر ... المزيد
قال تعالى: { وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ } ، فالماء هو أصل الحياة والعنصر الأساسي في تكوين الأجسام الحية وتركيبها و يدخل في خلايا جميع الأجهزة والعصارات والسوائل والدم وغيرها من دون استثناء. اما علاقته بالسمنة : ان بعض الناس يعتقدون... المزيد
ان كل ما يحصل في هذا النطاق الأرضي من اختلافات وحروب ونزاعات مصدرها الثقافات والعلاقات والتغيرات الأيدلوجية ستعرج لها لاحقا. فعلى مستوى الأنظمة الوظيفية التي تتسم بالأنظمة واللوائح العامة من أجل تسيير العمل وفق الأهداف المحددة والمرسومة في... المزيد
آخر الأعضاء المسجلين

آخر التعليقات
عروس الجندي
مصطفى عبد الحسين اسمر
2016/06/10م     
شكرا استاذ
منذ اسبوعين
الوهم و الخيال
مصطفى عبد الحسين اسمر
2017/11/09م     
شكرا استاذ
منذ اسبوعين
المهدي قادم (عجل الله فرجه) الجزء الأول : (القدس وقطر)
أنور السلامي
2017/06/21م     
اخترنا لكم
علي حسين الخباز
2019/01/05
- ما نفع الدين بالعلم؟ الكتاب:ــ عنايته في تحفيز العقلانية العامة في الانسان، ويعتمد على المنطق الفكري السليم، ويوجه الى التأمل في...
المزيد

صورة مختارة
كنز المعرفة
رشفات
الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)
2018/12/28
الصَّبْرُ صَبْرَانِ: صَبْرٌ عَلَى مَا تَكْرَهُ، وَصَبْرٌ عَمَّا تُحِبُّ.
المزيد

الموسوعة المعرفية الشاملة
القرآن وعلومة الجغرافية العقائد الاسلامية الزراعة الفقه الاسلامي الفيزياء الحديث والرجال الاحياء الاخلاق والادعية الرياضيات سيرة الرسول وآله الكيمياء اللغة العربية وعلومها الاخبار الادب العربي أضاءات التاريخ وثائقيات القانون المكتبة المصورة
www.almerja.com